لوحات “أوفيميا رزق”.. المفردات الفنية أصوات في مقطوعة موسيقية

نشرت :

مسقط : العمانية

سيطرت الأجواء التأملية الهادئة على أعمال التشكيلية الأردنية أوفيميا رزق المعروضة على جاليري وادي فنان تحت عنوان "سيمفونية"، مستحضرةً صورة الانسجام والتناغم الكوني، كما لو أن المفردات الفنية أصوات في مقطوعة موسيقية.

يشكّل البعد التقني في المعرض الذي يستمر حتى نهاية سبتمبر الجاري أبرز المحاور في تجربة رزق الفنية، إذ لا تعتمد الفنانة على أداة واحدة أو أسلوب تقليدي في التعبير، بل توظّف حصيلة معرفية وتقنية متراكمة عبر سنوات من الدراسة والتجريب، فمن تجربتها في النحت، اكتسبت رزق إحساسًا بالكتلة والحجم والبعد الثلاثي، وهو ما ينعكس على الطريقة التي تُبنى بها العناصر الهندسية داخل لوحاتها، حيث لا تبدو الأشكال مسطحة بقدر ما تحمل إيحاءً بالعمق والحركة داخل الفضاء الواسع.

وعلى المنوال نفسه، أثمرت خبرة رزق في فن الطباعة عن دقة في التعامل مع الخطوط والأنماط المتكررة، وهي سمة واضحة في أعمالها التي تعتمد على التجريد الهندسي كلغة أساسية للتعبير. ومن جهة أخرى، فإن دراسة الفنانة للتصميم الجرافيكي وتقنيات التصوير الحاسوبي أضافت بُعدًا معاصرًا إلى منهجها الفني، إذ يظهر في تكويناتها إحساس بالتوازن البصري والتناسق اللوني الذي يذكّر بمبادئ التصميم الرقمي، حتى وإن كانت الأعمال منفذة بوسائط تقليدية كالرسم أو النحت والطباعة.

تقول رزق في تقديمها لمعرضها: "الفن هو طريقة الذات إلى استكشاف أسرار الوجود الإنساني"، وتضيف: "أسعى من خلال التجريد إلى التعبير عن الحوار الصامت بين الذات الداخلية والمحيط الصاخب"، موضحة أن كل لوحة من لوحاتها هي "تأمل في الطاقة والوعي والإيقاع الذي يسري في كل تفاصيل الحياة"، وأن أعمالها التجريدية تدعو المشاهد إلى "خوض رحلة تأمل والسعي إلى تحقيق الانسجام، مع تجاوز الشكل واللون للعثور على صدى شخصي في رحاب الكون الشاسع".

ترتبط التقنية عند أوفيميا رزق بمضمون العمل ورؤيته الفنية، فهي كما تُظهر تجربتها، تتوق من خلال الرسم إلى التعبير عن الأسئلة التي تؤرق عالمها الداخلي مع محاولة فهم السيرورة الإنسانية على هذه الأرض، ومن هنا يأتي التركيز في لوحاتها على التجريد الهندسي، الذي يُستخدم إلى جانب قوته الجمالية الشكلية، كوسيلة لإضاءة الروح البشرية ورمزيتها العالية.

وتنطلق أوفيميا رزق في بناء لوحاتها من مفردات الأشكال الهندسية المتداخلة والمتراكبة التي تتوزع على مساحة العمل الفني بدقة حسابية تحمل في الوقت نفسه إحساسًا بالحركة والانسياب، وكأن كل شكل هندسي هو جرم صغير يدور في مدار خاص به ضمن منظومة كونية أوسع.

وتُوظّف الفنانة التدرجات اللونية التي تتراوح بين الدفء والبرودة، حيث تمتزج درجات الأحمر والبرتقالي التي توحي بالطاقة والقوة، مع مساحات داكنة من الأسود والأزرق العميق التي تستحضر اتساع الفضاء وغموضه. وهذا التقابل اللوني بين الحرارة والعتمة يمنح اللوحة بُعدًا دراميًا، وينشئ إحساسًا بالعمق يتجاوز السطح الخارجي للّوحة، ليقترب من محاكاة بصرية لفضاءات كونية متخيّلة، حيث لا تمثّل الألوان والأشكال مشاهد واقعية محددة أو أماكن جغرافية بعينها، بل تُستدعى كرموز تجريدية لمناطق داخلية في الذات الإنسانية.

درست أوفيميا رزق الفن في الجامعة الأمريكية ببيروت، وتابعت دراستها في جامعة السوربون بباريس، قبل أن تلتحق بمعهد فخر النسا زيد الملكي للفنون الجميلة في عمّان، وتوسعت دائرة اهتماماتها الفنية لتشمل النحت، وفن الطباعة، والتصميم الجرافيكي، إضافة إلى تقنيات التصوير الحاسوبي وتصميم صفحات "الويب".

تُوّجت مسيرة رزق الفنية بعدد من الجوائز والأوسمة، حصلت عليها من دول عدة أبرزها فرنسا واليابان وكندا وإيطاليا ورومانيا، ومن أبرزها: ميدالية صالون باريس في مهرجانه الدولي الثالث المقام بمدينة أوساكا اليابانية، وجائزة "أوسكار" الفنية من بينالي الفن الحديث العالمي في مدينة ليون الفرنسية، والميدالية الذهبية للاستحقاق الفرنسي، تقديراً لإسهاماتها الفنية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img