للكاتبة
ميادة بنت رامس العمرية

تحليل
ابراهيم المنسي
مملكة البحرين

يحدث الآن كتاب عن الإنسان في لحظاته اليومية الصغيرة، لكنه يحاول أن يكشف خلف هذه التفاصيل قضايا أكبر
الحب، الفقد، الذاكرة، الظلم، الأسرة، التغير الاجتماعي، الإيمان، الطفولة، الوحدة، والبحث عن الأمل.
الكاتبة لا تعتمد على حبكة واحدة تجمع القصص، وإنما تقدم مشاهد وحكايات منفصلة، بعضها واقعي وبعضها رمزي، وبعضها شديد القصر يصل إلى الومضة الأدبية.
ويظهر في معظم النصوص اهتمام واضح بالمفارقة والنهاية التي تعيد تفسير ما قرأه القارئ.
أبرز القصص
1. الزجاجة انكسرت والملامح ارتسمت / وبقايا عطر برائحة الاحزان
امرأة تعيش على ذكرى شخص فقدته، فتشم رائحة عطره وتتوهم عودته. لكن زجاجة العطر تنكسر، فتجرح قدميها. وفي النهاية تكتشف أن ملامح الرجل الذي فقدته ما زالت حاضرة في وجه طفلها الذي يشبهه. الفكرة: أحيانا لا تعود الذكريات إلينا في الأشياء، بل في الأشخاص الذين تركهم الراحلون خلفهم.
2. النمرود
قصة رجل مغرور ومتسلط نشأ على التدليل، فتحول إلى شخص عنيف مع أخواته، مزدوج الشخصية؛ يبدو مثاليا أمام الناس، بينما يمارس الاستبداد داخل أسرته. القصة تؤكد أن الظلم مهما طال لا بد أن تكون له نهاية، وأن دعاء المظلوم ليس أمرا هينا.
3. انتخبوا السيد براتا
قصة طريفة ساخرة عن «البراتا» التي تصبح رمزا لرفيق بسيط يقف مع الإنسان في وقت حاجته، بعد أن كانت البطلة قد هجرته لصالح أطعمة أخرى. تنتهي القصة بمفارقة سياسية ساخرة: انتخبوا السيد براتا، ولا تنتخبوا السيد كرسبي ستربس.
4. بداية الغيث قطرة
امرأة محدودة الدخل، لكنها شديدة الإيمان، تنفق راتبها على من حولها ولا تفقد ثقتها بأن الله سيرزقها. ثم تبدأ مصادفات صغيرة في الظهور: عملات وأموال بسيطة تجدها في أماكن مختلفة. تراها بوصفها إشارة وأملا وبداية للفرج.
5. جنود جالوت
قصة «واصل» الذي يفشل دراسيا ثم يقرر تغيير طريقه. يتعرض لضغط والده، لكنه يكتشف في النهاية أن النجاح ليس بالضرورة في الطريق الذي يختاره الآخرون له، بل في اكتشاف الطريق الذي يستطيع أن ينجح فيه بنفسه.
6. دمية ليلى
من أكثر القصص ذات الطابع الرمزي. طفلة اسمها ليلى ترى دمية في أحلامها، وترتبط بها عاطفيا، بينما يحيط بها عالم يحمل الخوف والذكريات والغياب. الدمية تتحول إلى رمز للطفولة والبراءة والأشياء التي نحاول التشبث بها وسط عالم قاس.
7. ذكريات مبعثرة
نص شديد الارتباط بالذاكرة؛ امرأة تجلس على كرسيها، فتتدفق ذكرياتها كأنها أشياء متناثرة فوق نهر سريع. كل ذكرى تصطدم بأخرى، فيصبح الماضي حاضرا من جديد.
8. ذهب قبل أن ينتهي الحوار / وما زال الهاتف يضج بالرنين
تدور النصوص حول العلاقات الإنسانية وسوء الفهم والانتظار وما يمكن أن تفعله كلمة أو مكالمة أو رسالة في حياة الإنسان.
9. كل يوم يسألني أين هم؟
من النصوص الأكثر وضوحا في التعبير عن الحنين إلى الماضي. رجل يعود إلى المكان الذي عاش فيه، فلا يتعرف إلى الشوارع والبيوت والملعب والأطفال والأصدقاء. يسأل باستمرار: أين هم؟ بينما تخبره الراوية أن الجميع كبروا وتغيروا، وأن المكان نفسه تغير.
والجميل هنا أن التغير لا يقتصر على المباني فالكاتبة تربطه بتغير العلاقات والعادات وطريقة الحياة.
والنص يستعيد موقفا من الماضي، يتضمن اعترافات وأسرارا، ويشير إلى أن الأطفال الذين سمعوا الحوار آنذاك لم يدركوا خطورته؛ فقد واصلوا اللعب، ولم يعرفوا أن ما سمعوه سيبقى محفورا في الذاكرة.
أهم ما في القصة
الكاتبة تلعب على المسافة بين:
وعي الطفل بالحدث
و,وعي الإنسان البالغ بمعنى الحدث بعد سنوات.
وهذا فرق نفسي مهم.
فالطفل يسمع الكلمات، أما الإنسان بعد أن يكبر فيفهم ما كانت تعنيه.
حتى وسائل معرفة العناوين انتقلت من رجال الحي إلى الهاتف والخرائط. وتستخدم الكاتبة العصافير رمزا جميلا: العصافير بقيت على فطرتها، بينما الإنسان هو الذي تغير وحاول أحيانا أن يحبس ما خلق ليطير.
وفي النهاية يبدو أن الرسالة الأساسية هي أن التطور لا ينبغي أن يعني فقدان القيم والهوية.
10. معلمتي… لماذا؟
نص يتناول علاقة الإنسان بالتعليم والذاكرة وما يتركه المعلم في حياة تلاميذه.
11. يحدث الآن
من أبرز نصوص المجموعة.
12. هشاشة
قصة طفلة تتعرض لموقف بسيط يكشف إصابتها بهشاشة في العظام وحاجتها إلى فيتامين «دال»، لكن المفارقة اللغوية تكمن في أن كلمة «دال» تعيد إليها ذكرى «دجاجة» كانت قد نسيتها.
13. ليلة عيد
نص قائم على المفارقة بين أجواء العيد وما يحيط بها من حزن وفقد، فيختلط الفرح بالحزن والذكريات.
وفي النهاية تأتي مجموعة من الومضات القصيرة
في الصفحات الأخيرة تنتقل الكاتبة إلى النص الومضي شديد التكثيف؛ مثل:
1 . أجواء: «توهجت السماء؛ أمطرت أشلاء.»
2. تنبيه: «القلب الذي دفن جراحه؛ أصبح حقل ألغام.»
3. ثروة :رجل يريد الثراء الفاحش فيسرق جيوب الفقراء.
4. طوفان: مفارقة رمزية عن سمكة ترسم على جدار الزمن ثم يأتي الطوفان فتهرب السمكة.
5. فخ: السعادة التي تبدو حقيقية قد تكون مجرد وهم.
6. قرار: قرار صادم شديد الاختزال ينتهي بفصل الرأس عن الجسد.
أرى أن القيمة الأبرز في «يحدث الآن» ليست في الحبكات وحدها، وإنما في تنوع الأفكار والمفارقات والنهايات. الكاتبة تميل إلى تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى أسئلة أكبر: ماذا يفعل بنا الزمن؟ ماذا يبقى من الماضي؟ كيف يتحول الإنسان؟ أين يختبئ الظلم؟ وهل يمكن للأمل أن يولد من شيء صغير جدا؟
كما أن الكتاب ينتقل بوضوح من القصة الاجتماعية إلى القصة النفسية والرمزية ثم إلى الومضة القصصية، ولذلك فهو أقرب إلى رحلة في حالات إنسانية مختلفة منه إلى مجموعة قصص ذات نبرة واحدة.
واني بصدد هذا الكتاب «يحدث الآن» للكاتبة ميادة رامس عبدالله العمرية وهو مجموعة قصصية تضم عددا كبيرا من القصص القصيرة والومضات، فسأتعامل مع كل قصة بوصفها نصا مستقلا، ثم أبحث عن علاقتها بالثيمة العامة للكتاب.
الفهرس يضم قصصا تبدأ من «الزجاجة انكسرت والملامح ارتسمت» وتنتهي بـ «قرار»، وبينهما نصوص متفاوتة في الطول والأسلوب.
وسأجعل التحليل بهذا الشكل لكل قصة
ملخص القصة
الفكرة الرئيسة
الثيمة/القضية التي تناقشها
تحليل الشخصيات
الصراع الدرامي
الرموز والدلالات
الأسلوب السردي واللغة
المفارقة أو نقطة التحول
النهاية وما توحي به
رؤية الكاتبة ورسالتها
نقاط القوة
الملاحظات النقدية وما يمكن تطويره
وسأبدأ بالقصة الأولى
1. الزجاجة انكسرت والملامح ارتسمت / بقايا عطر برائحة الأحزان
هذه من أكثر قصص المجموعة وضوحا من حيث البناء الرمزي. تبدأ امرأة تنتظر شخصا غائبا، وتوحي رائحة العطر بعودة الحبيب أو صاحب الذكرى. تستعد للقائه، لكن المفاجأة أن اندفاعها نحو الباب يؤدي إلى إصابة قدميها بالزجاج المحطم. يتضح أن طفلها أخذ زجاجة العطر سرا، فسقطت وانكسرت قبل فتح الباب.
المفارقة الأساسية أن الزجاجة التي تحمل ذكرى الرجل ماتت، لكن الذكرى نفسها لم تمت؛ فعندما تنظر الأم إلى طفلها وتكتشف شدة شبهه بأبيه، تدرك أن ما كانت تحاول الاحتفاظ به في زجاجة العطر أصبح حيا أمامها في ملامح طفلها.
رمزيا
الزجاجة = الذاكرة.
العطر = الماضي والحضور الغائب.
الدم = الألم والفقد.
الطفل = استمرار الحياة والذكرى.
انكسار الزجاجة = تحطم التعلق بالماضي.
ظهور الملامح = انتصار الذاكرة الحية على الذاكرة الجامدة.
والجميل في النهاية أن العنوان نفسه يتحول إلى خلاصة فلسفية للقصة:
( الزجاجة انكسرت، والملامح ارتسمت).
أي أن الشيء الذي ظنت البطلة أنها فقدته كان موجودا أمامها طوال الوقت.
نقديا
الفكرة مؤثرة والرمز واضح، لكن القصة تعتمد على المفاجأة العاطفية أكثر من اعتمادها على تطور نفسي عميق للشخصية. ومع ذلك، فإن النهاية تمنح النص قيمة وجدانية جيدة.
2. النمرود
هذه قصة اجتماعية ذات بعد ديني وأخلاقي واضح. الشخصية المحورية هي رجل يسمى «النمر»، نشأ في بيئة غذت لديه الشعور بأنه محور الكون. يبدأ ذلك منذ ولادته، ثم يتكرس بسبب الدلال المفرط من والديه.
يتحول الدلال إلى غرور وعنف واستعلاء، خصوصا تجاه أخواته. والمهم أن الكاتب لا يقدمه كشخص شرير بصورة مباشرة فقط، وإنما يكشف كيف صنعت التربية والتفضيل الاجتماعي للذكر جزءا من شخصيته.
ثم تظهر المفارقة الكبرى: الرجل الذي يفرض صورة مثالية عن نفسه أمام المجتمع يخفي شخصية مختلفة تماما داخل البيت.
وعندما يصبح أبا لبنات، تظهر تناقضاته بصورة أكبر؛ فهو كان يحمل أفكارا تقلل من شأن الإناث، لكنه يحب بناته ويعتقد أنهن مختلفات عن بقية الفتيات. ثم حين يولد له ابن، يتضخم شعوره بالسيطرة أكثر.
أقوى نقطة في القصة هي الدعاء الذي تقوله أخته المظلومة:
( حسبي الله ونعم الوكيل).
فالكاتب يجعل هذه الجملة نقطة تحول رمزية؛ إذ يصبح الظالم خائفا من دعاء المظلوم، رغم أن العبارة في ذاتها ليست مخيفة.
الدلالة الأعمق:
النص ينتقد الذكورية، والعنف الأسري، والنفاق الاجتماعي، وتضخم الأنا.
والعنوان «النمرود» ليس مجرد اسم؛ إنه إحالة إلى نموذج الإنسان الذي يتوهم امتلاك القوة والسيطرة، ثم يكتشف أن قوته محدودة أمام إرادة الله.
نقديا:
القصة قوية في فكرتها ورسالتها، لكنها مباشرة جدا في بعض المواضع؛ إذ تشرح موقفها الأخلاقي بدلا من ترك القارئ يستنتجه دائما من الحدث.
3. انتخبوا السيد براتا
هذه قصة مختلفة تماما في نبرتها؛ فهي أقرب إلى السخرية الاجتماعية.
تستخدم الكاتبة وجبة «البراتا» كشخصية رمزية، وتبني حولها علاقة طريفة بين ميساء وصديقتها. في البداية تكون البراتا جزءا من إفطارهما اليومي، ثم تكرهها ميساء بسبب سوء إعدادها وكثرة الزيت.
لكن حين تقع ميساء في ضائقة مالية ويشتد بها الجوع، لا تجد إلا القليل من المال، فتعود إلى البراتا التي كانت قد هجرتها. وهنا تتحول البراتا من شيء مكروه إلى منقذ.
ثم تأتي المفارقة السياسية الساخرة في النهاية:
( انتخبوا السيد براتا، ولا تنتخبوا السيد كرسبي ستربس).
الكاتبة تحول الطعام إلى مرشح انتخابي، وتستخدم ذلك للسخرية من فكرة الاختيار الانتخابي وتبدل المواقف حسب المصلحة والظرف.
الدلالة:
ما نرفضه في وقت الرخاء قد يصبح ما نتمسك به في وقت الشدة.
نقديا: القصة خفيفة وذكية وممتعة، وتتميز بالمفارقة، لكنها ليست عميقة مثل «النمرود» أو «الزجاجة…». قوتها في خفتها وفي قدرتها على تحويل موقف يومي بسيط إلى سخرية اجتماعية.
4. بداية الغيث قطرة
هذه من أكثر القصص ارتباطا بفكرة الأمل والإيمان بالرزق.
البطلة امرأة بسيطة، راتبها محدود، لكنها لا تحتفظ به لنفسها، بل تشارك من حولها. وفي الوقت نفسه تحلم بأشياء كثيرة لا يستطيع راتبها تحقيقها. ومع ذلك لا تفقد إيمانها بأن الله سيرزقها.
ثم تتحول القصة إلى رحلة انتظار للفرج، وتظهر علاقتها بالدعاء بصورة أساسية. وهي لا تدعو لنفسها فقط، بل تدعو لأهلها وجيرانها وكل من تعرفهم.
المفارقة الجميلة تأتي عندما تبدأ في العثور على مبالغ صغيرة جدا من المال: 25 بيسة، ثم 50 بيسة، ثم 100 بيسة، ثم تتذكر مبلغا آخر كانت قد نسيته.
هي لا تنظر إلى هذه المبالغ باعتبارها ثروة، وإنما باعتبارها إشارة إلى أن الفرج يمكن أن يبدأ بشيء صغير.
ومن هنا يأتي العنوان:
«بداية الغيث قطرة».
رمزيا: المال القليل = قطرة
الرزق = الغيث
الدعاء = انتظار المطر
الإيمان = القوة التي تجعل الإنسان يرى المعنى في الأشياء الصغيرة.
نقديا: القصة تحمل رسالة إنسانية جميلة، لكنها تميل إلى الوعظ المباشر، خصوصا في مقاطع الدعاء والتفسير.
5. جنود جالوت
تبدأ القصة بطفل اسمه واصل ينتظر نتيجة دراسية، لكنه يفشل بسبب إهماله الدراسة وانشغاله باللعب. المفارقة أن الأسرة والجيران اعتادوا أن يجعل واصل نجاحه أو رسوبه نوعا من المزاح السنوي، لكنه هذه المرة يتعامل مع الأمر بجدية.
يتحول الرسوب إلى أزمة داخلية؛ الأب يغضب، والأم تحاول تهدئته، بينما يعلن واصل أنه لا يريد مواصلة الدراسة.
لكن القصة لا تتركه عند الفشل؛ بل تمنحه فرصة ثانية، فيعود إلى المدرسة ويبذل جهدا، وينجح في النهاية.
فكرة القصة:
الفشل ليس نهاية الطريق، وإنما قد يكون اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بمواجهة نفسه.
والعنوان «جنود جالوت» يوحي بصراع غير متكافئ بين الإنسان والعقبات؛ فالمشكلة ليست الامتحان وحده، وإنما الكسل، والخوف، وضغط الأسرة، ونظرة المجتمع.
نقديا: القصة تربوية مباشرة، ومناسبة جدا لليافعين، لكن رمز العنوان يحتاج إلى قراءة أوسع داخل بقية النص حتى يمكن تحديد جميع طبقاته الدلالية بدقة.
6. دموع القمر
هذه القصة تبدو أكثر شاعرية ورمزية من القصص السابقة. العنوان نفسه يفتح بابا للتأويل: القمر هنا ليس مجرد عنصر طبيعي، بل شاهد على ليلة استثنائية تختلط فيها مشاعر متناقضة.
تصف الكاتبة ليلة امتزجت فيها دموع الحب بدموع الفرح والخشوع، حتى تصبح تلك الليلة في ذاكرة الشخصية ليلة مختلفة عن كل الليالي، بل “ليلة من ألف ليلة وليلة”، وتنتهي الصورة بعبارة شديدة الشعرية: الليلة التي بكى فيها القمر.
الفكرة الأساسية
القصة تقوم على فكرة أن بعض اللحظات لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تتحول إلى ذاكرة عاطفية تسكن الإنسان.
الرمز
القمر: شاهد على التجربة الإنسانية.
الدموع: ليست حزنا فقط؛ فهي هنا تجمع الحب والفرح والخشوع.
الليلة: تتحول من زمن عابر إلى زمن نفسي خالد.
جمال القصة
قوتها ليست في الحدث بقدر ما هي في المناخ الشعوري. الكاتبة تريد أن تجعل القارئ يشعر بالليلة أكثر مما يريد أن يعرف تفاصيلها.
الملاحظة النقدية
كان يمكن أن تصبح القصة أكثر قوة لو منحت القارئ بعض التفاصيل التي تفسر لماذا كانت هذه الليلة استثنائية، بدلا من الاكتفاء بتكثيف الإحساس.
7. دمية ليلى
هذه من القصص التي تجمع بين الطفولة والخوف والذاكرة والفقد.
تبدأ في أجواء ماطرة وانقطاع للكهرباء، فتشعر ليلى بالخوف وتنادي أمها حيفا، التي تطمئنها وتحتضنها. ثم يظهر الأب حسام بعد توقف المطر.
لكن القصة لا تتوقف عند الخوف الآني؛ فهناك بيت الجد المسلوب وظل العجوز الذي يظهر خلف النافذة، وهو عنصر يزرع في عالم ليلى الطفولي إحساسا غامضا بالخوف.
ثم تأتي الدمية في الحلم، فتطاردها ليلى بسعادة، وتطير الدمية على سحابة بيضاء بينما تلقي عليها الزهور.
القراءة النفسية
الدمية يمكن أن تمثل البراءة التي تحاول ليلى التشبث بها وسط عالم مليء بالأشياء المخيفة.
فالطفلة تعيش بين عالمين:
الواقع: المطر، الظلام، البيت المسلوب، ظل العجوز والخوف.
الحلم: الدمية، السحابة، الطيران، الزهور.
وهذا الانتقال مهم جدا؛ لأن الحلم يصبح وسيلة الطفل لمقاومة الواقع.
الرمز الأهم
الدمية ليست مجرد لعبة. إنها صديقة متخيلة ونافذة للهروب من الخوف.
الملاحظة النقدية
القصة تملك مادة رمزية جيدة، وكان يمكن زيادة قوتها لو ظل الغموض حول الدمية والبيت المسلوب قائما مدة أطول، بحيث يضطر القارئ إلى المشاركة في تفسيرهما.
8. ذكريات مبعثرة
هذه من أكثر القصص التي تستحق قراءة رمزية.
الكاتبة تحول الذاكرة إلى أشياء متناثرة تحملها المياه. الشخصية تحاول التقاط ما تستطيع من ذكرياتها، فتجد بينها ذكريات مؤلمة وأخرى سعيدة، بل وتجد أوراقا تحمل عبارات ومواقف.
الفكرة
الذاكرة ليست أرشيفا منظما.
إنها أشبه بنهر:
شيء يبقى، شيء يبتعد، شيء يغرق، وشيء يعود فجأة.
وهذا اختيار موفق جدا في بناء الصورة.
المفارقة
من بين الأوراق تظهر عبارات عن الإحسان والإساءة والانتقام والثأر. وهنا تتحول الذكريات من مجرد صور للماضي إلى قوى تؤثر في الحاضر.
فالإنسان قد لا يتذكر الحدث نفسه، لكنه يتذكر الجرح الذي تركه الحدث.
البعد النفسي
القصة تقول بصورة غير مباشرة إن الإنسان لا يعيش حاضره وحده؛ بل يعيش معه بقايا ما حدث له.
وقد تكون بعض الذكريات أخطر من الأحداث نفسها، لأنها قابلة لإعادة إنتاج الألم.
الملاحظة النقدية
الرمز جميل، لكن تعدد الأوراق والعبارات قد يجعل النص أقرب إلى سلسلة من الحكم، وكان يمكن ترك مساحة أكبر للصورة الأدبية.
9. ذهب قبل أن ينتهي الحوار
هذه القصة تبدو قائمة على المفارقة الناتجة عن الحوار المبتور.
والعنوان وحده يحمل مفتاح القراءة:
ذهب قبل أن ينتهي الحوار.
أي أن المشكلة ليست دائما في الكلام الذي قيل، بل في الكلام الذي لم يتح لنا الوقت لقوله.
العنوان
العنوان ناجح جدا لأنه يحمل حسرة القصة كلها
كان هناك كلام يجب أن يكتمل، لكنه لم يكتمل.
الملاحظة النقدية
القصة تعتمد على الاسترجاع، وكان يمكن أن تكون أكثر توترا لو بني الحوار القديم أمامنا مباشرة ثم كشفت دلالته تدريجيا.
10.ضجة رنين
هذه قصة مختلفة؛ لأنها تنقلنا من عالم الأحزان والذكريات إلى تفاصيل الحياة اليومية المعاصرة.
تستيقظ المرأة عند الحادية عشرة والنصف، وتبدأ في ترتيب مهام اليوم، ثم أثناء إعداد الطعام تنتقل إلى الهاتف وتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك تقع عيناها على إعلان عن فعاليات تعليمية لصقل المواهب الأدبية.
الفكرة
هنا يظهر الهاتف كعنصر من عناصر الحياة اليومية، لكنه قد يكون أيضا بابا إلى فرصة جديدة.
فالمرأة كانت منشغلة بأعمال البيت، ثم جاءت لحظة عابرة عبر الهاتف لتفتح أمامها احتمالا مختلفا.
المفارقة
ما يبدو “ضجة” أو تشتيتا يمكن أن يتحول إلى إشارة توقظ الموهبة.
الملاحظة النقدية
القصة بسيطة، وربما هذه بساطتها المقصودة. لكنها لا تحمل العمق الرمزي الموجود في بعض القصص السابقة.
وما زال الهاتف يضج بالرنين
العنوان نفسه يوحي بالانتظار.
الهاتف الذي يرن ولا يأتي الرد يصبح رمزا للعلاقة التي انقطع فيها التواصل، أو للكلام الذي ينتظر صاحبه.
وهنا يبدو أن الكاتبة تستخدم الهاتف باعتباره شيئا أكثر من وسيلة اتصال: إنه جسر معلّق بين شخصين.
والجميل أن الرنين في العنوان يمكن قراءته على مستويين:
رنين الهاتف.
رنين السؤال داخل النفس: لماذا لم يجب؟
لذلك فإن الصمت هنا يصبح أكثر حضورا من الكلام.
11. سر دمعة عبد المنان
هذه من القصص المبنية على التشويق والكشف المتأخر.
الكاتبة تؤجل تفسير الدمعة، وتجعل القارئ يبحث عن سرها حتى تأتي لحظة الكشف. وفي النهاية تذكر أن التشابه بين الشخصيات يفسر جزءا من اللغز، وتغلق القصة بعبارة: انكشف السر الغامض الكامن في دمعة عبد المنان.
تقنية القصة
هنا تستخدم الكاتبة تقنية:
السؤال ← الغموض ← الترقب ← الكشف.
وهذه تقنية مناسبة جدا للقصة القصيرة.
نقطة القوة
أنها لا تبدأ بالإجابة، بل تجعل الدمعة نفسها سؤالا.
الملاحظة
نجاح هذا النوع من القصص يعتمد كثيرا على قوة المفاجأة النهائية. وكلما كان الكشف غير متوقع ولكنه منطقي، ارتفعت قيمة القصة.
. ضجة رنين
12. كل يوم يسألني أين هم؟
هذه، في رأيي، من أهم قصص المجموعة.
الرجل العائد إلى المكان القديم يصطدم بأن كل شيء تغير.
يسأل عن الأطفال، ويتذكر ألعابهم، وضحكاتهم ومشاكساتهم. ويتوقف أمام المسجد ليستعيد صور الماضي.
ثم يلاحظ التغيرات الاجتماعية، حتى في شكل الحياة المنزلية، ويقارن بين الماضي والحاضر.
القضية الحقيقية
القصة ليست عن رجل يبحث عن أشخاص فقط.
إنه يبحث عن زمن كامل.
وهذه نقطة مهمة جدا.
فهو عندما يسأل:
أين هم؟
فهو في العمق يسأل:
أين ذهبت الحياة التي كنت أعرفها؟
الزمن في القصة
الزمن هنا شخصية غير مرئية.
لقد:
كبر الأطفال.
تغيرت البيوت.
مات بعض الناس.
تغيرت العلاقات.
تغيرت العادات.
تغيرت الأدوات.
تغير شكل الحياة.
لكن الرجل بقي يحمل الخريطة القديمة داخل ذاكرته.
أجمل ما في القصة
أن المكان لم يتغير وحده؛ بل تغير معنى المكان.
المكان نفسه قد يبقى، لكن الناس الذين صنعوا ذاكرته يرحلون.
وهذا من أكثر الأفكار الإنسانية نضجا في المجموعة.
13. معلمتي… لماذا؟
هذه القصة من أكثر القصص وضوحا في تناول أثر المعلم في تشكيل ثقة الطالب بنفسه.
الشخصية تتذكر كيف كانت كلمات الآخرين المشجعة لتلاوتها ترفع معنوياتها وتدفعها إلى التطور. وفي المقابل تتساءل لماذا لم تقدم لها المعلمة كلمة تشجيع، ولماذا اكتفت بالمشاهدة بينما كانت تتعرض لسخرية الآخرين.
القضية
القصة تطرح سؤالا تربويا مهما:
هل وظيفة المعلم اكتشاف الخطأ فقط، أم اكتشاف الإنسان أيضا؟
الطفل قد يحتاج أحيانا إلى كلمة واحدة حتى يواصل الطريق.
الجميل في النهاية
تصل الشخصية إلى قناعة بأن الأشياء لا تحدث عبثا، وأن داخل كل قدر طريقا يقود إلى قدر آخر.
وهذا يحول القصة من مجرد عتاب للمعلمة إلى رحلة تصالح مع الماضي.
الملاحظة النقدية
الرسالة التربوية واضحة جدا، وربما مباشرة أكثر من اللازم، لكنها صادقة ومؤثرة.
14.هزة أرضية
هذه القصة تقوم على اهتزاز داخلي أكثر من كونها تتحدث عن هزة بالمعنى الحرفي.
الفكرة الأساسية هي أن الإنسان قد يعيش حياته في حالة تبدو مستقرة من الخارج، ثم تأتي لحظة واحدة تهز هذا الاستقرار، فتجعله يعيد النظر في كل ما حوله.
القراءة الرمزية
عنوان “هزة أرضية” مهم جدا؛ لأن الأرض هي رمز الثبات والأمان.
وعندما تهتز الأرض، يفقد الإنسان إحساسه بأن الأشياء التي يعتمد عليها ثابتة.
وهذا يمكن إسقاطه على العلاقات والحياة والقرارات:
أحيانا لا تأتي الهزة لتدمر حياتنا، وإنما لتكشف لنا أن ما كنا نظنه ثابتا لم يكن كذلك أصلا.
جمال الفكرة
القصة تضع الإنسان أمام سؤال:
ماذا يبقى منك عندما تهتز الأشياء التي كنت تستند إليها؟
وهذه فكرة إنسانية واسعة، وليست مرتبطة بالحدث وحده.
15.وتمضي الحياة…
هذه من القصص التي أراها مهمة جدا في المجموعة، لأنها تتعامل مع اليوم العادي بوصفه مأساة صغيرة تتكرر.
النص ينتقل عبر تفاصيل الحياة اليومية والروتين، ثم يصل إلى العبارة
“ليبدأ يوم جديد… بنفس الروتين، لكن بنمط مختلف.”
هذه الجملة هي مفتاح القصة
الحياة لا تتوقف.
لكن الإنسان قد يشعر أنه يدور في الدائرة نفسها.
يوم يجر يوم، ثم أسبوع، ثم شهر، بينما تتراكم داخله أشياء لا يراها أحد.
القراءة النفسية
القصة تطرح مفهوم الاعتياد.
فالروتين يمكن أن يكون أمانا، لكنه قد يتحول أيضا إلى سجن ناعم.
الإنسان يأكل، يعمل، يصلي، يعود إلى منزله، ينام…
ثم يبدأ كل شيء من جديد.
وهنا السؤال الأهم:
هل نحن نعيش فعلا، أم أننا فقط نكرر الحياة؟
الجميل في القصة
أن الكاتبة لا تحتاج إلى مأساة ضخمة.
تجعل الروتين نفسه هو الحدث.
وهذا قريب من الكتابة الواقعية النفسية.
16.خربشات قلم
هذه القصة مختلفة عن معظم القصص الأخرى لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على الحوار والصراع النفسي بين شخصيتين.
نجد مكتبا، وأوراقا متناثرة، ووجها عابسا، وعلبة مناديل، ثم يجلس شخصان متقابلان دون تحية أو سلام، ويبدأ حوار مكثف.
واللافت أن الحوار مرتبط بشيء مادي واضح، وهو المال؛ فالنص يشير إلى أن الحكاية حتمية الصلة بالمال، بينما يحاول كل طرف المحافظة على كبريائه.
لماذا العنوان “خربشات قلم”؟
العنوان يوحي بأن ما نقرأه ليس بالضرورة حكاية مكتملة، وإنما شظايا من موقف إنساني.
القلم هنا يمكن أن يكون شاهدا على الأشياء التي يعجز أصحابها عن قولها مباشرة.
أهم ما في القصة
هناك صراع بين:
الكبرياء ← والحاجة
الكلام ← والصمت
كل شخصية تريد أن تبدو أقوى من الأخرى، لكن وجود المال في قلب الحوار يكشف أن وراء الكبرياء حاجة إنسانية.
الملاحظة النقدية
هذه القصة كان يمكن أن تكون أقوى لو اتجهت النهاية إلى مفاجأة أكبر؛ لأن بدايتها تحمل وعدا بصراع درامي جيد.
لكنها تظل مهمة لأنها تكشف قدرة الكاتبة على الانتقال من السرد إلى المشهد الحواري.
17. أضغان
هنا تدخل المجموعة إلى منطقة أكثر قتامة.
الشخصية لا تعاني من عمى البصر، وإنما من عمى البصيرة. يحمل في داخله سوادا وضغينة، حتى تتحول مشاعره إلى نار تحرق الأخضر واليابس، ثم حين تحيط به النار يرفع يده إلى السماء طالبا النجدة.
الفكرة
القصة تقدم الضغينة باعتبارها نارا يأكل صاحبها قبل أن يأكل الآخرين.
وهذه مفارقة أخلاقية واضحة:
هو الذي أشعل النار، ثم أصبح هو نفسه محاصرا بها.
الرمز
النار = الأحقاد التي يزرعها الإنسان ثم يعجز عن السيطرة عليها.
العنوان
“أضغان” عنوان موفق لأنه يختصر الحالة النفسية كلها.
18. أضواء
هذه من القصص الساخرة جدا في المجموعة.
المشهد هو مهرجان ضخم مليء بالأضواء والكاميرات والجمهور، بانتظار شخص سيحصل على لقب “مشهور العام”، رغم أن محتواه فارغ. تصفه الكاتبة بأنه يرتدي “معطف الشهرة، وتاج التفاهة”.
ثم تأتي المفارقة العبقرية الساخرة:
يعطس أحد المصورين، فتتجه إليه الأضواء، وتنتشر العطسة عبر المنصات، وتتجاوز مشاهداتها المليارات.
القضية
القصة تضرب مباشرة في ظاهرة:
شهرة بلا قيمة.
فالمهم في عصر المنصات ليس دائما ماذا قدم الإنسان، وإنما:
كم شاهده الناس؟
المفارقة
المحتوى الفارغ يحتاج إلى مهرجان كامل.
أما العطسة فلا تحتاج إلا إلى كاميرا.
التقدير
هذه من أنجح القصص الساخرة في المجموعة.
19. اعتراض
تدور حول خلاف مهني، حيث يحاول كل طرف إثبات أنه صاحب الحق. ويصل التوتر إلى أن تنادي إحدى الشخصيتين الرجل بـ “يا حج أحمد”، فيغضب ويؤكد: “اسمي الأستاذ أحمد”.
القراءة
القصة لا تتحدث عن الاسم فقط، وإنما عن السلطة والصورة الاجتماعية والاعتراف بالمكانة.
فكلمة “الحج” بالنسبة إليه لا تساوي “الأستاذ”. وهذا يكشف حساسية الشخصية تجاه موقعها الاجتماعي.
النقد
الفكرة لطيفة، لكن القصة تحتاج إلى طبقات أعمق حتى يتجاوز الصراع مجرد المفارقة اللفظية.
20. إعجاب
النص يقوم على علاقة من طرف واحد: رجل يحاول جذب انتباه امرأة، لكنها تصده باستمرار وتضع له حدودا واضحة.
الفكرة
هنا تطرح الكاتبة فكرة الإعجاب حين يتحول إلى إلحاح.
والقيمة الأخلاقية في القصة أن رفض الآخر يجب أن يكون مفهوما ومحترما.
النقد
العنوان مباشر، والقصة تعتمد على الموقف أكثر من البناء القصصي.
21-جبار شقي
العنوان يجمع مفارقتين:
جبار + شقي.
أي شخصية تجمع القوة والتسلط من جهة، والطفولية أو العبث من جهة أخرى.
والكاتبة تبدو هنا مهتمة بكشف التناقض بين الصورة التي يصنعها الإنسان لنفسه وبين حقيقة سلوكه.
القراءة
“الجبار” يريد أن يبدو قويا، لكن “الشقي” داخله يكشف هشاشته.
وهذه ثيمة تتكرر في المجموعة: القوة الظاهرية لا تعني القوة الحقيقية.
22. خذلان
من القصص التي تختزل تجربة نفسية كاملة في كلمة واحدة.
الخذلان في عالم المجموعة لا يأتي فقط من الآخرين؛ بل قد يأتي من التوقعات نفسها.
فالإنسان يتألم أحيانا لأن الواقع لم يفعل ما كان يتخيله، وليس لأن الواقع كان قاسيا بالضرورة.
القيمة
العنوان يترك مساحة للقارئ ليضع تجربته الشخصية داخله.
وهذه ميزة في عناوين الومضات.
23. شًبًاك
هذه من أكثر القصص اجتماعية وسخرية في هذا القسم.
هناك امرأة تستمع إلى نساء يتحدثن عن امرأة تتعدد زيجاتها وطلاقاتها، ومع ذلك تحصل في كل مرة على زوج أفضل من السابق. ثم تسقط حقيبتها، فتتناثر محتوياتها، فيكتشف الجميع أنها أدوية كثيرة.
المفاجأة
النساء كن يتحدثن عن “حظها”، بينما الحقيقة التي لا يعرفنها هي أنها تحمل عبئا صحيا كبيرا.
الرسالة
لا تحكم على حياة الإنسان من ظاهرها.
ما يبدو حظا قد يكون ابتلاء، وما يبدو سعادة قد يخفي ألما.
وهنا تنجح الكاتبة في استخدام المفارقة الاجتماعية.
24. صرخة
هذه من أجمل الومضات النفسية في المجموعة.
نرى امرأة منذ طفولتها تقوم بالعطاء، ثم يتحول العطاء مع مرور السنوات إلى فرض عليها. وكل فرصة تجعلها سعيدة تفلت من بين يديها، حتى يصبح راتبها نفسه سببا في تعاستها، وكأنها تعيش سجنا أبديا.
ثم تصل إلى لحظة الانفجار:
الصرخة.
فتخرج إلى مكان مرتفع وتصرخ بكل ما فيها، حتى تمتزج صرختها بزبد البحر.
القراءة النفسية
هذه ليست صرخة غضب فقط.
إنها صرخة امرأة تقول:
أنا أيضا أريد أن أعيش.
وهنا يصبح العطاء المفرط نوعا من إلغاء الذات.
النقد
الفكرة قوية جدا، وخصوصا العلاقة بين المرأة والعمل والعطاء والحرمان.
25. ضجيج
القصة تبدأ بأصوات كثيرة: آلات، مناوشات، شتائم، أصوات كسر، قطار، وأصوات تناديها.
تحاول الهروب من هذا الضجيج برفع صوت التلفاز، فلا يبقى في النهاية إلا صوت شارة “أليس في بلاد العجائب”.
القراءة
هنا لا يكون الضجيج مجرد صوت خارجي.
يمكن قراءته باعتباره ضجيج الحياة داخل الإنسان.
وحين تعجز الشخصية عن مواجهة واقعها، تلجأ إلى شاشة تقدم لها عالما بديلا.
المفارقة
حتى الهروب نفسه أصبح جزءا من الضجيج.
26. طيران الذكريات
هذه من أنجح الومضات.
امرأة تصعد سلم الطائرة، تنظر خلفها وكأنها تودع كل الذكريات التي دفعتها إلى قرار السفر بعيدا.
ثم تصل وتفتح حقيبتها…
فتكتشف أنها تركت كل شيء هناك، ولم تأخذ معها إلا الذكريات.
هنا تكمن المفارقة الجميلة
هي سافرت لتترك الماضي.
لكن الماضي سافر معها.
المعنى
لا تستطيع المسافة الجغرافية أن تمحو الذاكرة.
يمكن للإنسان أن يترك:
البيت
المدينة
الأشخاص
الأشياء
لكنه لا يستطيع بسهولة أن يترك ما حدث داخله.
27. غفلة
امرأة تنبهر بشيء تراه بين الملابس والأقمشة، ويظهر لها كروح صغيرة تضحك وتناديها. تنشغل به حتى تقرر دفع ثمنه غاليا.
العنوان مفتاح القصة
غفلة.
فالإنسان قد ينشغل بجمال شيء أو بريقه حتى لا ينتبه إلى حقيقته.
والشراء هنا يمكن قراءته رمزيا بوصفه ثمنا تدفعه الشخصية نتيجة انبهارها.
الملاحظة
القصة غامضة عمدا، لكن هذا الغموض قد يكون نقطة قوة أو ضعف بحسب القارئ.
28. قرين
تدخل المجموعة هنا إلى منطقة نفسية أكثر قتامة.
توجد شخصية بين أجهزة طبية، تصارع الموت، والناس من حولها يحاولون إخفاء دموعهم.
القراءة
“القرين” يمكن فهمه بوصفه الصوت الآخر داخل الإنسان.
ذلك الصوت الذي يقف إلى جوار الإنسان في لحظات الخوف والموت، ويجبره على مواجهة نفسه.
القصة تستفيد من فكرة الازدواج
الجسد هنا شيء، والروح/الوعي شيء آخر.
النقد
المادة النفسية قوية، لكن الومضة تحتاج إلى قارئ يتقبل الغموض ولا ينتظر حبكة تقليدية.
29. ليلة عيد
هذه قصة قائمة على المفارقة الزمنية والشعورية.
المشهد يبدأ بالحزن والدموع والهمسات، ثم تتداخل الأصوات، ويعود الصمت، قبل أن تأتي الذكريات وتغير المشهد تماما، فيردد الجميع
ليلة عيد.
ماذا تفعل الكاتبة هنا؟
تضع الموت والحياة في المساحة نفسها.
الحزن لا يلغي الفرح، والذكرى تستطيع في لحظة واحدة أن تنقل الإنسان من جنازة المشاعر إلى احتفال الذاكرة.
أجمل ما فيها
أن “العيد” لا يأتي باعتباره مناسبة تقويمية، بل باعتباره حالة ذاكرة.
30. هشاشة
هذه قصة ذكية جدا من ناحية المفارقة اللغوية.
طفلة تذهب إلى المدرسة وهي سعيدة بصديقها الجديد. ثم ترى دجاجة، فتجري خلفها وتسقط، وعند الطبيب يتبين أنها تعاني من هشاشة في العظام وتحتاج إلى فيتامين “د”. فتتذكر أخيرا:
دال: دجاجة.
البناء
القصة تبدأ بالبراءة وتنتهي بالنكتة اللغوية.
لكن تحت هذه الخفة توجد إشارة إلى هشاشة الجسد والطفولة.
قوتها
النهاية هي التي تمنح القصة معناها.
وهذا بالضبط ما تحتاج إليه القصة الومضة:
أقل عدد ممكن من الكلمات، وأكبر قدر ممكن من المفاجأة.
31. يحدث الآن
هذه الومضة هي عنوان المجموعة كلها، ولذلك تستحق اهتماما خاصا.
امرأة تجلس في عالمها، ويشد انتباهها منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل عنوان “يحدث الآن”. ثم تلمح يدا صغيرة ابتلعها الماء، فتتحول اللحظة إلى صدمة.
هنا العنوان شديد الذكاء
“يحدث الآن” عبارة نراها كل يوم في الأخبار والمنصات.
لكن الكاتبة تحولها من مجرد عبارة إعلامية إلى مواجهة مباشرة مع المأساة الإنسانية.
ما يحدث على الشاشة ليس خبرا بعيدا.
إنه إنسان.
القراءة
القصة تطرح سؤالا عن علاقتنا الحديثة بالمآسي:
هل أصبحنا نشاهد الألم كما نشاهد أي محتوى آخر؟
وهذه واحدة من أكثر القصص المعاصرة في المجموعة.
32. أجواء
“توهجت السماء؛ أمطرت أشلاء.”
هذه ليست قصة تقليدية، بل ومضة شديدة التكثيف.
الجملة تقلب الصورة الرومانسية للمطر والسماء إلى صورة حرب ودمار.
القوة
المفاجأة تأتي من التضاد:
توهج / أشلاء
الجمال يتحول إلى مأساة.
33. تنبيه
“القلب الذي دفن جراحه؛ أصبح حقل ألغام.”
من أجمل ومضات المجموعة من ناحية الصورة.
المعنى
الجرح الذي لم يعالج لا يختفي.
بل يتحول إلى شيء خطير مختبئ تحت السطح.
ولهذا جاءت صورة حقل الألغام موفقة جدا:
قد يبدو المكان آمنا، لكن خطوة واحدة خاطئة تفجر كل شيء.
34 . ثروة
“أراد ثراء فاحشا؛ فسرق جيوب الفقراء.”
هذه ومضة اجتماعية مباشرة.
الفكرة
بعض الثروات لا تصنعها العبقرية ولا العمل، وإنما استغلال المحتاجين.
القوة هنا في العلاقة بين كلمتين:
ثراء / فقراء.
فالثراء في القصة ليس منفصلا عن فقر الآخرين.
35. طوفان
“رسمت على جدار الزمن سمكة، وعندما جاء الطوفان، هلك الجميع عدا السمكة.”
هذه من أكثر الومضات قابلية للتأويل.
القراءة الأولى
السمكة تنتمي بطبيعتها إلى الماء، ولذلك لم يكن الطوفان كارثة عليها.
القراءة الرمزية
النجاة أحيانا لا تعتمد على القوة، وإنما على القدرة على الانسجام مع الظروف.
لكن هناك قراءة أكثر عمقا:
قد يكون ما نعده كارثة بالنسبة لنا هو في الحقيقة بيئة حياة لشخص آخر.
36. فخ
النص يختزل الفكرة في جملة:
السعادة التي جاءت إليها كانت مجرد طعم.
المعنى
ليس كل ما يبدو سعيدا هو سعادة حقيقية.
أحيانا تأتي الأشياء الجميلة في ظاهرها لتقود الإنسان إلى مكان لم يكن يتوقعه.
وهنا العنوان “فخ” يصبح واضحا بعد النهاية.
37. قرار
آخر ومضة في الكتاب، وربما أكثرها صدمة.
الجملة الأخيرة:
“شعر بثقل جمجمته، فصلها عن جسده.”
لماذا اختارت الكاتبة هذه النهاية؟
لأنها تجعل “القرار” حرفيا قرارا يصل إلى أقصى درجات الانفصال.
ويمكن قراءتها بصورة رمزية باعتبارها محاولة الإنسان التخلص من ثقل التفكير أو الصراع الداخلي.
لكنها أيضا نهاية عبثية صادمة، تجعل القارئ يعيد التفكير في العنوان:
ما القرار الذي أوصل الشخصية إلى هذه النهاية؟
النقد
قوتها في الصدمة والتكثيف، لكن ضعفها أن مساحة التأويل أكبر من مساحة المعطيات التي يمنحها النص.
الخلاصة النقدية للمجموعة
بعد قراءة القصص كاملة، أستطيع أن أقول إن “يحدث الآن” ليست مجموعة متجانسة تماما من حيث المستوى أو الشكل، لكنها تمتلك شخصية واضحة جدا.
الفهرس نفسه يكشف انتقال الكتاب من قصص طويلة نسبيا إلى نصوص شديدة التكثيف والومضات القصيرة.
أقوى ما في تجربة ميادة العمرية
1 المفارقة
وهي ربما أقوى أدواتها.
مثل:
طوفان → السمكة تنجو.
أضواء ـــــ العطسة تصبح أشهر من المشهور.
بشك ـــــ “المحظوظة” تحمل حقيبة أدوية.
هشاشة ـــــ دال: دجاجة.
طيران الذكريات → السفر لا يترك الذكريات.
تنبيه → القلب يتحول إلى حقل ألغام.
2 العناوين
الكاتبة جيدة جدا في اختيار العنوان.
أضغان، ضجيج، غفلة، هشاشة، فخ، قرار، تنبيه، ثروة…
كثير من هذه العناوين لا يشرح القصة، لكنه يعطي القارئ مفتاحا بعد القراءة.
3 الحضور الإنساني
المجموعة مشغولة بالإنسان أكثر من الحدث:
الأم، الزوجة، الطفل، المعلم، الفقير، المرأة، الرجل المسن، العاشق، المريض، المظلوم، الباحث عن السعادة.
ولهذا نجد أن معظم القصص تنتهي برسالة إنسانية أو أخلاقية.
أفضل 10 قصص في رأيي
لو كنت عضوا في لجنة تحكيم وطلب مني اختيار أقوى عشر قصص فنيا، فسأضعها هكذا:
1 الزجاجة انكسرت والملامح ارتسمت
2 يحدث الآن
3 كل يوم يسألني أين هم؟
4 صرخة
5 أضواء
6 طيران الذكريات
7 تنبيه
8 طوفان
9 أجواء
10 ذكريات مبعثرة
وأكثر القصص التي أراها قابلة للتحويل إلى مشاهد مسرحية
وهنا أتكلم من زاوية مسرحية أيضا:
الزجاجة انكسرت والملامح ارتسمت
لأنها تعتمد على الذاكرة والرائحة والغياب والطفل.
كل يوم يسألني أين هم؟
لأن المكان والذاكرة والزمن يمكن تحويلها إلى فضاء مسرحي شديد الجمال.
صرخة
لأنها تحمل شخصية نسائية وصراعا داخليا يمكن أن يصبح مونودراما قوية.
يحدث الآن
لأن الشاشة والهاتف والمأساة المعاصرة يمكن تحويلها إلى بناء بصري وتجريبي.
طيران الذكريات
لأن فكرة السفر والذكريات التي ترفض الرحيل تصلح لمسرح بصري شاعري.
وأهم ملاحظة نقدية عندي
أرى أن ميادة العمرية تكون أقوى حين تثق بالصورة ولا تشرحها.
عندما تقول
“القلب الذي دفن جراحه؛ أصبح حقل ألغام.”
لا تحتاج إلى تفسير.
الصورة وحدها تكفي.
بينما في بعض القصص الطويلة تميل الكاتبة أحيانا إلى شرح الفكرة الأخلاقية بعد أن تكون قد أوصلتها بالفعل.
ولو خففت من الشرح، ومنحت القارئ مساحة أكبر للتأويل، فإن تجربتها ستصبح أكثر نضجا أدبيا.
بمعنى آخر
ميادة لديها خيال قصصي واضح، وحس جيد بالمفارقة، واهتمام كبير بالإنسان، لكنها تكون في أفضل حالاتها عندما تكتب أقل وتترك الصورة تتكلم أكثر.
وهذا بالذات ما يجعل الومضات الأخيرة من المجموعة مهمة؛ لأنها تكشف اتجاها يمكن للكاتبة أن تطوره كثيرا في أعمالها المقبلة.
وأرى أن الكتاب يستحق قراءة نقدية جادة، لا مجرد مراجعة انطباعية، لأن وراء القصص المتفرقة خيطا مشتركا واضحا وهو ان الإنسان وهو يواجه الذاكرة، الفقد، المجتمع، الزمن، والتغير، في عالم يحدث فيه كل شيء الآن، لكن هذا الإنسان
لا يزال يعيش كثيرا مما حدث بالأمس.



