مسقط : العمانية
تعدُّ الألعاب الإلكترونية من المنافسات الحديثة التي تُقام عبر ألعاب الفيديو، وقد حظيت باهتمام واسعٍ من الشباب، ولا تقتصر الرياضة الإلكترونية على الترفيه والمنافسة، بل تنمي شخصية اللاعب وتحسن لديه القدرة على التركيز واتخاذ القرار، والتعامل مع المواقف التي تتطلب سرعة الاستجابة، كما توقظ لديه ملكة الإبداع عند عرض الشخصيات والبيئات الرقمية والتفاعل مع المحتوى المرئي، ليصبح بذلك مجالًا يتقاطع مع المهارات التقنية والإبداعية المتعددة.
وفي ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي، تتسارع التحولات في قطاع الألعاب الإلكترونية إلى مساحات أوسع من الابتكار وصناعة المحتوى وتفتح أمام الشباب مسارات مهنية جديدة تتجاوز دور اللاعب الإلكتروني إلى مجالات البرمجة والتصميم وتطوير محركات الألعاب الإلكترونية.
وحول العوامل التي تقف خلف اهتمام الشباب بالرياضات الإلكترونية، قال المهند بن حمدان الوهيبي مبرمج ومطور ألعاب إلكترونية، إن اللعب الجماعي وروح المنافسة من أبرز العوامل التي تدفع الشباب إلى الاهتمام بالرياضات الإلكترونية والمشاركة في البطولات، فاللاعب يبدأ غالبًا بممارسة الألعاب في المنزل مع أصدقائه، ومع مرور الوقت وتطور مستواه في اللعب، يكتسب الخبرة والثقة بقدراته، وهو ما يشجعه على الانتقال من اللعب الترفيهي إلى المنافسة والمشاركة في البطولات المحلية والدولية.
وأشار إلى أن هذه البطولات توفر للاعب فرصة لإثبات مهاراته، والتعرف على لاعبين آخرين، وتطوير مستواه من خلال المنافسة المستمرة، إضافة إلى الجوائز والحوافز التي أصبحت عاملًا مهمًا في جذب اللاعبين إلى هذا المجال.
وحول المسارات التي يمكن أن يسلكها الشباب بين الاحتراف والاهتمام بنقل التجربة وصناعة المحتوى، يوضح أن المسارين يختلفان من حيث طبيعة العمل والهدف، فهناك من يفضل الاحتراف والمنافسة في البطولات، ويسعى إلى تطوير مستواه وتحقيق الجوائز والإنجازات، وهذا المسار يتطلب التدريب المستمر والانضباط والقدرة على التعامل مع ضغط المنافسات. في المقابل، هناك لاعبون يفضلون صناعة المحتوى والبث المباشر، حيث يستطيعون مشاركة خبراتهم وتجاربهم مع الجمهور وبناء قاعدة من المتابعين، وتحقيق دخل من المشاهدات والإعلانات والدعم والرعايات.
وبيَّن: كلا المسارين يمثل فرصة حقيقية للشباب، لكن لكل منهما تحدياته؛ فالاحتراف يتطلب مستوى عاليًا واستمرارية في التدريب، بينما تتطلب صناعة المحتوى الاستمرارية والقدرة على تقديم محتوى جاذب ومختلف لبناء علاقة جيدة مع الجمهور.
وأضاف أن الألعاب الإلكترونية قد تمثل نقطة انطلاق لتنمية المهارات التقنية والإبداعية، فبعض اللاعبين بعد سنوات من ممارسة الألعاب والتعرف على آلياتها، يبدأون في التفكير في كيفية تصميم ألعابهم الخاصة، ويستفيدون من الأفكار والتجارب التي شاهدوها في الألعاب المختلفة، ثم يطورونها بأسلوبهم الخاص.
وتابع حديثه: إن بعض أنواع الألعاب التي تعتمد على البناء والإبداع وحل المشكلات، تساعد على تنمية مهارات التفكير المنطقي والتخطيط والعمل الجماعي. ومع تعلم البرمجة وتصميم الألعاب ومحركات تطوير الألعاب، يستطيع اللاعب تحويل هذه الخبرة والشغف إلى مهارة عملية يمكن أن تقوده إلى مجال تطوير الألعاب أو مجالات تقنية أخرى.
وحول الفرص المهنية التي يتيحها قطاع الألعاب الإلكترونية، أضاف أن قطاع الألعاب الإلكترونية لا يقتصر على مهنة اللاعب المحترف، بل يفتح المجال أمام العديد من المهن والتخصصات، مثل البرمجة، وتصميم الألعاب وتصميم الشخصيات والبيئات ثلاثية الأبعاد، والرسوم المتحركة، والمؤثرات البصرية، وكتابة القصص، وتصميم واجهات المستخدم، وصناعة المحتوى والبث المباشر.
ولفت إلى أن خبرات مطوري الألعاب يمكن توظيفها في مجالات أخرى، ومن أبرزها الواقع الافتراضي الذي أصبح يستخدم في التدريب والتعليم والسياحة والمحاكاة، إضافة إلى قطاعات العمران والبناء والعقارات وإنشاء عوالم افتراضية تفاعلية للمباني والمدن والمشاريع المستقبلية، وهذا بدوره يفتح فرصًا جديدة للشباب لتحقيق دخل من القطاع، سواء في تطوير الألعاب وبيعها أو صناعة المحتوى أو العمل في الاستوديوهات والشركات التقنية أو تطوير تجارب الواقع الافتراضي والمحاكاة للجهات والمؤسسات.
ويتحدث الوهيبي أن صناعة الألعاب من أكثر الصناعات التي تجمع بين مختلف المجالات الإبداعية والتقنية في منتج واحد؛ فهي تجمع التصميم، والرسم، والرسوم المتحركة، والبرمجة، وتصميم الصوت، والذكاء الاصطناعي، وكتابة القصص، وهذا التكامل يجعل صناعة الألعاب مجالًا مهمًا لتطوير المواهب في مختلف التخصصات، فنجد المبرمج والمصمم والرسام والمختص بالذكاء الاصطناعي يعملون جميعًا ضمن منظومة واحدة لإنتاج تجربة تفاعلية متكاملة.
ويرى أن "صناعة الألعاب قادرة بالفعل على أن تكون إحدى الصناعات الإبداعية التي تساهم في تصدير المحتوى العُماني إلى الأسواق العالمية، وتحويلها إلى تجارب وألعاب تصل إلى جمهور أوسع، مع ضرورة المحافظة على الهوية العمانية وتقديمها بأسلوب حديث يفهمه اللاعب من مختلف أنحاء العالم."
وبين أن صناعة الألعاب في سلطنة عُمان تشهد نموًا تدريجيًا، وهناك اهتمام متزايد من بعض الجهات بتطوير ألعاب وتجارب تحمل الطابع العُماني، إلا أن القطاع لا يزال بحاجة إلى المزيد من الدعم والاستثمار حتى يصل إلى مرحلة متقدمة. ومن أبرز التحديات التي تواجه المطورين محدودية الميزانيات المخصصة لبعض المشاريع، إضافة إلى نقص المعلومات أو المتطلبات التي يحتاجها المطور في بداية المشروع، وضيق المدة الزمنية المحددة للتنفيذ في بعض المشاريع.
وأوضح أن صناعة الألعاب تختلف عن بعض المشاريع التقنية الأخرى؛ فهي تحتاج إلى مراحل متعددة تشمل التخطيط والبرمجة والنمذجة ثلاثية الأبعاد والاختبار والتطوير المستمر، لذلك فإن عدم إدراك حجم هذه المراحل قد يؤدي أحيانًا إلى توقعات أكبر من الوقت أو الموارد المتاحة، مؤكدًا على أن النهوض بالقطاع يحتاج إلى زيادة الاستثمار في استوديوهات الألعاب، ودعم المشاريع المحلية، وإيجاد برامج تمويل وحاضنات متخصصة، إلى جانب زيادة الوعي بطبيعة صناعة الألعاب ومراحل تطويرها.
ولفت إلى أن المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص يلعبان دورًا أساسيًا في بناء جيل متخصص في صناعة الألعاب، وذلك من خلال إدخال تخصصات ومقررات مرتبطة بتطوير الألعاب في الجامعات والكليات، وتوفير التدريب العملي والمختبرات والمشاريع التطبيقية. كما يمكن للقطاع الخاص الاستفادة من هذا القطاع وتأسيس شركات واستوديوهات متخصصة في صناعة الألعاب، أو استقطاب استوديوهات عالمية لفتح فروع لها في سلطنة عُمان، بما يوفر فرصًا للتدريب والعمل ونقل الخبرات إلى الشباب العُماني.
وعن الثقافة الرقمية، يتحدث الوهيبي: إن بناء ثقافة رقمية واعية أصبح أمرًا مهمًا جدًا في ظل الانتشار الكبير للألعاب الإلكترونية، خصوصًا بين فئة الأطفال والشباب، فالألعاب يمكن أن تكون وسيلة للترفيه والتعلم وتنمية مهارات التفكير وحل المشكلات والعمل الجماعي، لكن استخدامها يحتاج إلى تعزيز أخلاقيات اللعب والمنافسة، واحترام الآخرين، والابتعاد عن السلوكيات السلبية في البيئة الرقمية، إلى جانب التوعية بالاستخدام المتوازن للألعاب وتجنب الإفراط فيها.
مشيرا إلى أن صناعة الألعاب نفسها تسهم في بناء هذه الثقافة من خلال تطوير ألعاب تعليمية وثقافية وتفاعلية تقدم المعرفة بأسلوب ممتع، وتربط بين الترفيه والتعلم والتحديات، بما يساعد على إيجاد بيئة رقمية أكثر إيجابية وفائدة.
وحول تجربته في صناعة لعبة إلكترونية بطابع عُماني، قال: إن فكرة تصميم لعبة بطابع عُماني جاءتني من إيماني بأن البيئة العمانية تمتلك الكثير من القصص التاريخية والثقافية والبيئات المتنوعة التي يمكن تحويلها إلى تجارب وألعاب إلكترونية تفاعلية، وحرصت في تصميم اللعبة على أن تكون الهوية العمانية حاضرة في مختلف عناصرها، سواء من خلال البيئة والمناطق والشخصيات أو الثقافة والتفاصيل البصرية المستوحاة من الطبيعة، مع تقديمها بأسلوب حديث يناسب طبيعة الألعاب الإلكترونية ويجعل التجربة جاذبة للاعب، وفي الوقت نفسه يستطيع اللاعب العالمي التعرف من خلالها على جزء من ثقافة عُمان وبيئتها وتاريخها.
وفي حديثه عن مستقبل الذكاء الاصطناعي في صناعة الألعاب، أوضح أن الذكاء الاصطناعي سيكون من أهم التقنيات المؤثرة في مستقبل صناعة الألعاب، خصوصًا من ناحية تسريع مراحل التطوير، فهو يمكن أن يساعد المطورين في كتابة الأكواد البرمجية، وتوليد الأفكار، وتطوير بعض العناصر البصرية والنماذج ثلاثية الأبعاد، وتحليل البيانات وسلوك اللاعبين.
مشيرًا إلى أن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل المطور، بل سيكون أداة تساعده على إنجاز المهام بصورة أسرع وأكثر كفاءة، مما يسمح له بالتركيز بصورة أكبر على الإبداع والتصميم وصناعة التجربة. أما الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي ستكون في قدرة المطور على توظيفه بالشكل الصحيح، مع الحفاظ على الهوية والقصة وجودة اللعبة، والتأكد من أن المحتوى الناتج يتناسب مع الجمهور المستهدف، سواء في الأسواق المحلية أو العالمية.


