أخلاقك يا ولدي

نشرت :

يا ولدي،
قد تكبر في العمر، وتتسع أمامك الدنيا، وتفتح لك الحياة أبوابها، وقد تحمل من الشهادات والخبرات والمناصب ما يجعلك موضع تقدير الناس؛ لكن تذكّر دائمًا أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، ولا بما يلبس، ولا بما يقال عنه في حضوره، وإنما بما يبقى منه في نفوس الآخرين بعد أن يغيب.

أخلاقك يا ولدي هي رأس مالك الذي لا يفقد قيمته.

فقد يخسر الإنسان مالًا ثم يعوضه، ومنصبًا ثم يعود إليه، ومكانةً ثم يستعيدها، لكنه إذا خسر احترام الناس وثقتهم، فإن استردادهما أشق من استرداد كل شيء آخر.

يا ولدي، لا تجعل أخلاقك مرتبطة بمقام من أمامك.

كن محترمًا مع من لا يستطيع أن ينفعك، لطيفًا مع من لا يملك أن يرد لك الجميل، كريمًا مع من لا يملك لك جزاءً، ومتزنًا حين تستطيع أن تنتصر.

فهناك تحديدًا يظهر معدن الإنسان.

فالاحترام في حضرة أصحاب النفوذ قد يكون مجاملة، أما احترام الضعيف حين لا تكون لك منه منفعة فهو خلق. والتواضع أمام من يفوقك مكانة قد يكون ضرورة، أما التواضع مع من هو أدنى منك منزلة فهو تربية.

ولا تظن يا ولدي أن رفع الصوت قوة، أو القسوة هيبة، أو كثرة الخصوم دليل مكانة.

القوة الحقيقية أن تملك نفسك حين تستفز، وأن تعرف متى تتحدث ومتى تصمت، وأن تستطيع الرد ثم تختار الصفح، وأن تكون قادرًا على المواجهة دون أن تفقد أدبك.

ليس كل ما يُقال يستحق جوابًا، وليس كل إساءة تستحق معركة، وليس كل خلاف يستحق أن تخسر من أجله إنسانًا.

تعلم أن بعض الانتصارات خسائر مؤجلة، وأن الإنسان قد ينتصر في نقاش ويخسر قلبًا، وقد يثبت وجهة نظره ويخسر علاقة، وقد يربح لحظة من التشفي ويدفع ثمنها سنوات من الندم.

لذلك كن حكيمًا في انتصاراتك.

يا ولدي، لا تتعجل الحكم على الناس.

فأنت ترى من الإنسان موقفًا، ولا ترى قصته كلها. تسمع كلمة، ولا تعرف ما سبقها. ترى تصرفًا، ولا تعرف الظروف التي أحاطت به.

والإنصاف أن تترك دائمًا مساحة لاحتمال أنك لا تعرف كل شيء.

إن حسن الظن ليس سذاجة، كما أن الحذر ليس سوء ظن. الحكمة أن تعرف الفرق بين أن تكون طيبًا وبين أن تكون غافلًا، وبين أن تكون حازمًا وبين أن تكون قاسيًا.

كن طيبًا، ولكن لا تكن مستباحًا.

كن كريمًا، ولكن لا تسمح لأحد أن يحوّل كرمك إلى حق مكتسب.

كن متسامحًا، ولكن لا تجعل التسامح تصريحًا متكررًا للإساءة.

ضع حدودك بأدب، فإن الحدود التي تُرسم بالكرامة أرسخ من تلك التي تُرسم بالغضب.

يا ولدي، احفظ لسانك.

فالكلمات لا تعود إلى أفواهنا بعد خروجها، وقد تنسى أنت جملة قلتها في لحظة غضب، بينما يحملها إنسان في ذاكرته سنوات.

لا تجعل لسانك سببًا في كسر خاطر، ولا تستخدم معرفتك بنقاط ضعف الناس سلاحًا عليهم.

فالرجولة ليست أن تعرف أين تؤلم الإنسان، وإنما أن تعرف أين تتوقف.

وإذا ائتمنك أحد على سر، فاجعله في قلبك قبرًا.

وإذا عرفت عيبًا لإنسان، فلا تجعل معرفتك به فرصة لإذلاله.

فالناس قد يخطئون، لكن ستر الخطأ حين يكون الستر إصلاحًا أكرم من فضحه، وحفظ كرامة الإنسان لا يعني تبرير خطئه.

يا ولدي، لا تنقل كل ما تسمع.

فليس كل خبر أمانة للنقل، وليس كل معلومة حقًا لك في نشرها.

كم من علاقة انكسرت بسبب كلمة نُقلت ناقصة، وكم من بيت اضطرب بسبب رواية لم يتحقق منها أحد، وكم من إنسان ظُلم لأن الناس صدقوا عنه ما لم يقله.

تعلم أن تكون نهايةً للإشاعة، لا طريقًا لها.

وإذا جاءك أحد بحديث عن إنسان غائب، فلا تستعجل التصديق، ولا تشارك في الغيبة، ولا تمنح الكلام عمرًا أطول من عمره.

فالإنسان الراقي لا يحتاج إلى أن يصغر الآخرين حتى يبدو كبيرًا.

يا ولدي، لا تقارن نفسك بالناس.

لكل إنسان توقيته، ورحلته، وظروفه، وأبوابه التي فُتحت له، وأبواب أخرى أُغلقت في وجهه.

لا تجعل نجاح غيرك إهانة لك، ولا تجعل رزق غيرك دليلًا على نقص رزقك.

افرح لمن نجح، وبارك لمن أكرمه الله، وتعلم ممن سبقك، وامضِ في طريقك.

فالدنيا ليست مسابقة بينك وبين الناس؛ إنها امتحان بينك وبين نفسك.

والرجل النبيل لا ينشغل كثيرًا بمن سبقه، بل ينشغل بأن يكون اليوم أفضل من الأمس.

يا ولدي، إذا أعطيت فأعطِ دون منّ.

وإذا صنعت معروفًا فلا تجعله فاتورة مؤجلة.

فالمنّة تُفسد جمال المعروف، والتذكير بالعطاء يحوّل الكرم إلى عبء على من أُعطي.

اصنع الخير ثم اتركه لله.

قد لا يشكرك صاحبه، وقد ينسى موقفك، وقد لا يعرف أحد أنك كنت وراء فرحة إنسان؛ ولا بأس.

فليست كل الأعمال الجميلة تحتاج إلى جمهور.

هناك أعمال عظيمة لا يصفق لها أحد، لكنها ترفع صاحبها في ميزان الحياة.

يا ولدي، احفظ العهد.

فالعلاقات لا تعيش على الكلام الجميل وحده، وإنما تعيش على الثبات حين تتغير الظروف.

كن حاضرًا في الشدة كما كنت حاضرًا في الرخاء، وفي الحاجة كما كنت حاضرًا في السعة.

ولا تكن ممن يعرفون الناس حين يحتاجون إليهم، وينسونهم حين يستغنون عنهم.

فالوفاء من أندر الأخلاق، ولذلك كانت قيمته عظيمة.

وإذا وعدت، فاحسب قدرتك قبل أن تعد.

لأن الوعد الذي لا تستطيع الوفاء به قد يترك في النفس أثرًا أعمق مما تتصور.

يا ولدي، لا تستصغر العامل، ولا الفقير، ولا البسيط، ولا من لا يملك جاهًا أو منصبًا.

فالناس جميعًا يحملون كرامة الإنسان، ولا تجعل اختلاف المكانة الاجتماعية سببًا لاختلاف الإنسانية.

سلّم على الجميع، واشكر من يخدمك، واعتذر إذا أخطأت، ولا ترَ في الاعتذار انتقاصًا من رجولتك.

بل اعلم أن الاعتذار في موضعه علامة على قوة النفس، لأن المتكبر يظن أن الاعتذار هزيمة، بينما يعرف الناضج أنه انتصار على الأنا.

يا ولدي، اختر أصدقاءك بعناية.

ليس كل من يضحك معك يحبك، وليس كل من يمدحك يريد لك الخير.

الصديق الحقيقي ليس من يوافقك دائمًا، وإنما من يصدقك بأدب، وينصحك دون أن يذلك، ويحفظك في غيابك كما يحفظك في حضورك.

واعلم أن من يستهين بأعراض الناس أمامك، سيستهين بعرضك أمام غيرك.

ومن يكشف لك أسرار الآخرين، قد يكشف أسرارك غدًا.

ومن يسخر من غائب، لا تأمن أن تكون أنت الغائب التالي.

يا ولدي، لا تجعل المال يغيّر طبعك.

فالمال يكشف الإنسان أكثر مما يصنعه.

إذا زاد رزقك، فزد تواضعك. وإذا ارتفعت مكانتك، فزد أدبك. وإذا اتسعت قدرتك، فاتسع عفوك.

فليست الرفعة أن يصبح الناس محتاجين إليك، بل أن تكون قادرًا على خدمتهم دون أن تشعرهم بصغرهم.

وإذا وصلت إلى مكان تستطيع فيه أن ترفع إنسانًا، فارفعه.

فقد يأتي يوم تحتاج فيه إلى يد ترفعك.

يا ولدي، لا تستخدم القوة لإثبات القوة.

الرجل الواثق لا يحتاج إلى استعراض قدرته في كل مناسبة.

الصمت أحيانًا أبلغ من الرد، والهدوء أهيب من الصراخ، والثبات أقوى من الانفعال.

ولا تدخل كل معركة تُدعى إليها.

بعض المعارك لا رابح فيها، وبعض الخصومات لا تنتج إلا مزيدًا من الخسارة.

اختر ما يستحق أن تقف من أجله، وما لا يستحق إلا أن تتركه خلفك وتمضي.

فالهيبة ليست في أن يخافك الناس؛ الهيبة أن يحترموك حتى حين يختلفون معك.

يا ولدي، كن عزيز النفس دون تكبر.

لا تلاحق من لا يريدك، ولا تتوسل تقدير من لا يقدرك، ولا تقف طويلًا على أبواب أُغلقت في وجهك.

كرامتك ليست شيئًا تفاوض عليه.

لكن لا تجعل عزة النفس قسوة، ولا تجعل الكرامة جفاء.

فالنبل أن تحفظ كرامتك وتحفظ للآخرين كرامتهم في الوقت نفسه.

وإذا أخطأت بحق إنسان، فارجع إليه.

لا تجعل الكبرياء يمنعك من إصلاح ما أفسدت.

فالاعتراف بالخطأ لا يصغّر الرجل؛ الذي يصغّره هو أن يعرف أنه أخطأ ثم يصر على الخطأ خوفًا من أن يقول: أخطأت.

يا ولدي، تذكّر أن الناس لا يتذكرون منك كل تفاصيل حديثك، لكنهم يتذكرون كيف جعلتهم يشعرون.

قد ينسى الناس ماذا قلت، لكنهم لا ينسون من احترمهم حين كانوا ضعفاء، ومن وقف معهم حين احتاجوا، ومن حفظ أسرارهم، ومن لم يستخدم حاجتهم لإذلالهم.

لهذا، اجعل حضورك خفيفًا على القلوب، كريمًا في المواقف، صادقًا في المعاملة.

وإذا غبت، فليكن غيابك محترمًا، كما كان حضورك.

يا ولدي، إن الحياة ستعلمك أن الأخلاق ليست زينة تُرتدى أمام الناس، وإنما معدن يظهر حين لا يكون هناك أحد ليراقبك.

هناك، في الخلوة، حين تستطيع أن تفعل ولا يراك أحد، يظهر صدقك.

وهناك، حين تملك القدرة على الانتقام ولا تنتقم ظلمًا، يظهر عفوك.

وحين تستطيع أن تأخذ ما ليس لك ثم ترده إلى صاحبه، يظهر أمانتك.

وحين تخطئ ولا يعلم أحد، فتختار أن تصلح خطأك، يظهر ضميرك.

الأخلاق الحقيقية تبدأ حيث ينتهي التصفيق.

يا ولدي، لا تجعل همّك أن تبدو صالحًا أمام الناس، بل اجتهد أن تكون صالحًا في غيابهم.

فالصورة يمكن صناعتها، والسمعة يمكن تحسينها، والكلام يمكن تزيينه، لكن الأيام وحدها تكشف حقيقة الإنسان.

والزمن، مهما طال، يملك قدرة عجيبة على فرز المعادن.

لذلك لا تتعجل إثبات نفسك.

دع أخلاقك تتحدث عنك.

دع مواقفك تصنع سيرتك.

دع وفاءك يكون شهادتك.

ودع الناس يعرفونك من أثرك، لا من حديثك عن نفسك.

يا ولدي، إذا أردت أن تترك وراءك شيئًا يستحق أن يُذكر، فلا تجعل أولويتك أن يقال: كان غنيًا، أو كان صاحب منصب، أو كان مشهورًا.

ليكن أجمل ما يقال عنك:

كان صاحب خلق.
كان وفيًا.
كان أمينًا.
كان إذا حضر أكرم، وإذا وعد وفى، وإذا قدر عفا، وإذا اؤتمن حفظ، وإذا غاب ذُكر بالخير.

تلك هي الثروة التي لا تصدأ، والمكانة التي لا تحتاج إلى حراس، والإرث الذي لا تبتلعه الأيام.

يا ولدي، قد لا تستطيع أن تغيّر العالم كله، لكنك تستطيع أن تجعل الدائرة التي حولك أكثر إنسانية.

كن ابنًا بارًا، وزوجًا وفيًا، وأبًا رحيمًا، وأخًا سندًا، وصديقًا أمينًا، وجارًا كريمًا، ورجلًا إذا دخل مجلسًا أضاف إليه، وإذا خرج منه ترك وراءه أثرًا طيبًا.

واعلم أن أعظم ما تورثه لأبنائك ليس المال وحده، بل السيرة.

فهم لن يتعلموا أخلاقك مما تقوله لهم، بقدر ما سيتعلمونها مما يرونه منك.

إن رأوك تحفظ العهد، تعلموا الوفاء.

وإن رأوك تعتذر، تعلموا التواضع.

وإن رأوك تحترم الناس، تعلموا الكرامة.

وإن رأوك تعفو، تعلموا القوة.

وإن رأوك تحفظ الغائب، تعلموا الأمانة.

ولهذا، يا ولدي، كن قدوة قبل أن تكون واعظًا.

وفي نهاية الطريق، حين تهدأ ضوضاء الحياة، وتسقط عن الإنسان ألقاب الدنيا، لا يبقى معه إلا ما صنعه في القلوب، وما تركه من أثر، وما حمله من سيرة.

فاجعل سيرتك أجمل من صورتك، وأثرك أبقى من حضورك، وخلقك أرفع من مقامك.

يا ولدي، قد تفتح لك الدنيا أبوابها كلها، فلا تدخل منها إلا وأنت محافظ على أخلاقك؛ لأن المال قد يرفع مقامك، والعلم قد يرفع قدرك، والمنصب قد يرفع اسمك، أما الأخلاق فهي التي ترفع الإنسان نفسه.

وحين يسألك الزمن يومًا: ماذا بقي منك؟

فليكن الجواب حاضرًا دون كثير كلام:

بقيت أخلاقي.

وهذا، يا ولدي، يكفي.

الشيخ حاتم الكثيري

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img