ما وراء المشهد
من الساحل إلى العمق: هل تفتح عُمان فصلًا جديدًا في علاقتها بإفريقيا؟
كتب: د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب
هل تعود عُمان إلى إفريقيا، أم أن إفريقيا تعود إلى الذاكرة العُمانية بطريقة جديدة؟
قد يبدو السؤال تاريخيًا أكثر منه سياسيًا، لكن ما جرى خلال الأيام الماضية يجعل استعادته ضرورية .
ففي 7 و8 سبتمبر الجاري، استقبلت سلطنة عُمان الرئيس الرواندي بول كاغامي، وامتدت المباحثات بين الجانبين من تطوير العلاقات الثنائية إلى قضايا الحوار والسلام وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، إلى جانب مجالات النقل والطاقة والتعدين والسياحة واللوجستيات والاتصالات والقطاع المالي. وأشاد الرئيس الرواندي بالدور العُماني في دعم الحوار والسلام.
وبعد أيام قليلة، انتقل الحراك إلى الجنوب الإفريقي؛ فقام جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله بزيارة دولة إلى بوتسوانا يومي 16 و17 سبتمبر، ثم إلى أنغولا يومي 17 و18 سبتمبر. وفي بوتسوانا وُقعت تسع مذكرات اتفاق وتفاهم، وفي أنغولا شهدت الزيارة توقيع خمس اتفاقيات وثماني مذكرات تفاهم وبرنامج تنفيذي في مجالات سياسية واقتصادية واستثمارية.
هل نحن إذن أمام مجرد تتابع دبلوماسي؟
ربما .
لكن لا أنظر إلى الحدث منفردًا؛ بل يضعه داخل سياقه التاريخي
فعلاقة عُمان بإفريقيا ليست وليدة هذه الزيارات، ولا بدأت باتفاقية حديثة. فمنذ قرون امتدت طرق الملاحة والتجارة العُمانية إلى شرق إفريقيا، واتسع الحضور العُماني على ساحلها، وأصبحت زنجبار في مرحلة من التاريخ مركزًا سياسيًا وتجاريًا مهمًا لعُمان. وما زالت العلاقات العُمانية الزنجبارية الرسمية تصف هذا الإرث بأنه علاقات تاريخية تمتد لقرون.
لكن التاريخ لا يعود بالصورة نفسها .
وهنا تكمن المسألة.
فالسفن التي كانت تحمل التجارة العُمانية إلى شرق إفريقيا لم تعد هي الوسيلة التي تُبنى بها العلاقات اليوم. تغيرت الأدوات، وتوسعت الجغرافيا، وأصبحت الدبلوماسية والتعليم والثقافة والاستثمار والتقنية واللوجستيات جزءًا من شبكة العلاقات الجديدة
وبالتالي، ربما لا يكون السؤال: هل تعود عُمان إلى إفريقيا؟
بل: هل تنتقل العلاقة العُمانية الإفريقية من إرثها التاريخي إلى فصل جديد أكثر اتساعًا؟
ما يلفت النظر في التحركات الأخيرة ليس فقط تعدد الدول، وإنما تنوع مواقعها على الخريطة الإفريقية: رواندا في شرق-وسط القارة، ثم بوتسوانا وأنغولا في الجنوب، مع اختلاف طبيعة كل علاقة ومجالات التعاون فيها.
وهنا تصبح الجغرافيا مهمة.
فإذا كان الحضور التاريخي العُماني قد ارتبط بصورة أساسية بشرق إفريقيا والمحيط الهندي، فإن الحاضر يفتح أبوابًا أخرى على إفريقيا الداخلية والجنوبية والأطلسية.
لكن القيمة الأهم، في رأيي، ليست في اتساع الخريطة وحده.
إفريقيا اليوم تحتاج إلى علاقات لا تقوم كلها على منطق الاستقطاب والمنافسة. قارة بهذا الحجم والتنوع، بما فيها من فرص وتحديات ونزاعات ومسارات تنمية، تحتاج أيضًا إلى دول تستطيع أن تتحدث مع الجميع، وتحترم سيادة الدول، وتدعم الحوار والحلول السلمية.
وهذه المعاني ليست استنتاجًا من خارج المشهد؛ فقد حضرت بوضوح في البيانات الرسمية المصاحبة للزيارات الأخيرة، سواء في الحديث العُماني الرواندي عن الحوار والسلام، أو في البيان العُماني الأنغولي الذي أكد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها والاحتكام إلى القانون الدولي.
وهنا ربما تظهر قيمة عُمان في إفريقيا من زاوية أوسع من الاقتصاد.
فالاقتصاد مهم، والاتفاقيات مهمة، والاستثمار مهم، لكن العلاقات الطويلة لا تبنى بالاتفاقيات وحدها.
هناك شيء آخر يصعب قياسه بالأرقام: الثقة .
والثقة، بخلاف الاتفاقية، تحتاج إلى زمن.
وهنا تلتقي الجغرافيا بالتاريخ.
فالحضور العُماني القديم في شرق إفريقيا لم يكن مجرد وجود على الساحل؛ فقد حمل معه التجارة والثقافة والتعليم واللغة والعلاقات الإنسانية، وترك آثارًا ما تزال حاضرة في زنجبار وشرق إفريقيا. كما أن عُمان تواصل اليوم الحفاظ على بعض هذا الإرث وتعزيز التعاون الثقافي والتعليمي والتراثي مع زنجبار.
لكن استدعاء التاريخ لا يعني العيش فيه.
التاريخ يمنح العلاقة جذورها، أما الحاضر فيمنحها أدواتها.
ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه هذه الزيارات ليس فقط: ماذا ستضيف الاتفاقيات إلى العلاقات العُمانية الإفريقية؟
بل سؤال أعمق “
هل تستطيع عُمان أن تحول رصيدها التاريخي في إفريقيا إلى جسور جديدة للحوار والتعاون والتنمية، تمتد من الساحل الشرقي الذي عرفته قديمًا إلى إفريقيا أوسع تتغير خرائطها اليوم؟
ربما لا نملك بعد إجابة نهائية .
لكن شيئًا واحدًا يستحق الانتباه :
عُمان لم تبدأ علاقتها بإفريقيا اليوم… لكنها ربما بدأت تكتب معها فصلًا جديدًا.


