يشهد المجتمع العُماني في الآونة الأخيرة تحولات اجتماعية متسارعة، طالت بعض مظاهر الحياة اليومية والأنشطة الترفيهية والرياضية. ومن بين أبرز هذه المظاهر التي بدأت تطفو على السطح وتثير التساؤلات، هو التوسع الملحوظ في انتشار صالات وجلسات التدريب على الرقص بمختلف أنواعه—كالشرقي، والغربي، والأفريقي، واللاتيني—بين فئات من النساء والفتيات. وفي حين يُنظر إلى هذه الأنشطة أحياناً تحت غطاء الرياضة أو الترويح عن النفس، إلا أن التمعن في طبيعتها وآثارها يستدعي وقفة موضوعية وجادة لاستقراء أبعادها المختلفة على بنية المجتمع العُماني المحافظ.
عادات دخيلة وتشويه لنمط الحياة الأصيل
إن المجتمع العُماني يستمد هويته وقوته من إرث وثقافة وتاريخ عريق، يتميز بالرصانة والوقار والخصوصية. وعند النظر إلى هذه الممارسات المستوردة، نجد أنها تمثل أساليب وعادات دخيلة تماماً على هذا النمط الحياتي المتزن؛ فالرقص المنظم عبر ورش وصالات مخصصة، وبخلفيات ثقافية غربية أو لاتينية أو أفريقية، لا ينتمي إلى الإرث الثقافي للمرأة العُمانية التي عُرفت دائماً بالحشمة والرزانة وحفظ المكانة الاجتماعية الرفيعة. هذا التداخل الثقافي السريع يساهم تدريجياً في تشويه نمط الحياة الأصيل، ويخلق فجوة بين الأجيال، ويميع الخطوط الفاصلة بين ما هو مقبول وضابط للهوية وبين ما هو عابر ومستورد.
موازنة بين الخصوصية الشخصية والعلانية المجتمعية
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن إتقان مثل هذه الفنون الحركية أو تعلمها قد يندرج عند البعض تحت بند الحرية الشخصية التي يكفلها المجتمع للفرد، شريطة أن يتم ضبط هذا الأمر وتأطيره على المستوى الشخصي المحض، وفي أضيق الحدود التي تصون الخصوصية وتتفق مع القيم؛ كالتعلم الذاتي في محيط العلاقة الزوجية والمنزلية الخاصة، حيث يحمل حينها طابعاً مشروعاً ومقبولاً لا يتعدى على الذوق العام ولا يخدش السلم القيمي للمجتمع. إلا أن الإشكالية الحقيقية تبرز عندما تتحول هذه الممارسات الشخصية إلى أنشطة تجارية عامة، وورش عمل معلنة، وتجمعات في صالات عامة تتداخل فيها المؤثرات الثقافية الغريبة وتُنشر تفاصيلها أحياناً في الفضاء الرقمي، مما يخرجها من دائرة الخصوصية المصونة إلى دائرة الترويح العلني الدخيل.
الآثار والدلالات على المنظومة القيمية والاجتماعية
بناءً على ذلك، فإن تحول هذه الأنشطة إلى ممارسات عامة يلقي بظلاله على عدة جوانب رئيسية:
- الأبعاد الدينية والأخلاقية وصرف الاهتمام عن الطاعات: يحث الدين الحنيف والتقاليد العُمانية الراسخة على صون العرض والابتعاد عن مواطن الشبهات، والالتزام بآداب الحشمة والوقار. إن الخطورة الدينية والأخلاقية الكبرى لهذه الأجواء تكمن في قدرتها على جذب النساء والفتيات نحو اهتمامات يومية سطحية، مما يبعدهن تدريجياً عن الإقبال على العبادات، والتعلق بالقرآن الكريم، ومجالس العلم النافعة. فالانغماس في مثل هذه البيئات الصاخبة يملأ الفراغ الروحي بما هو غث ولا ينفع، ويستنزف طاقات الفتاة الفكرية والروحية بعيداً عن الغايات الأسمى التي ترفع قدر المرأة المسلمة وتصون رسالتها في الحياة.
- العلاقات الاجتماعية والأفكار الوافدة: تساهم هذه البيئات المفتوحة في تمرير أفكار ومفاهيم مستوردة حول “التحرر” بطرق تنسلخ عن الواقع المحلي، مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الأسري، ويحدث نوعاً من الخلافات نتيجة تباين النظرة إلى الحدود المقبولة اجتماعياً.
- الجانب الاقتصادي (إنفاق المال في غير محله): تتطلب المشاركة في هذه الصالات والجلسات ميزانيات مالية واشتراكات دورية باهظة، إذ قد تصل تكلفة الجلسة الواحدة إلى 20 و30 ريالاً عُمانياً، بل ويمتد الأمر إلى فرض اشتراكات شهرية وسنوية تراكمية. وفي ظل التحديات الاقتصادية الحالية، يُعد توجيه هذه المبالغ المعتبرة نحو أنشطة ترفيهية دخيلة نوعاً من الإنفاق في غير وجهه الصحيح وهدراً للموارد، بينما الأولى والأجدر استثمارها في جوانب تنموية، تعليمية، أو صحية حقيقية ومثمرة تعود بالنفع المباشر والمستدام على الفرد والأسرة.
دعوة للمسؤولية والتقييد المنظم
إن الحفاظ على النسيج الاجتماعي العُماني وحماية مكتسباته الأخلاقية والروحية هي مسؤولية تضامنية تشترك فيها الأسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، يبرز مطلب مشروع ومهم للجهات المعنية—مثل وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، ووزارة الثقافة والرياضة والشباب، والبلديات والجهات الأمنية المختصة—للتحرك بآليات واضحة وحازمة:
- وضع ضوابط وتقييد للممارسات: إعادة النظر في التراخيص الممنوحة لهذه الصالات، وتحديد الأنشطة المسموح بها بدقة، بما يضمن عدم خروجها عن إطار الرياضة البدنية والصحية المتعارف عليها.
- المراقبة والمتابعة المستمرة: تكثيف الحملات الرقابية والتفتيشية على الصالات النسائية، وتشديد الرقابة الصارمة على الصالات “المختلطة” لمنع أي تجاوزات تمس بالآداب العامة أو الخصوصية المجتمعية.
- التوعية الأسرية: تفعيل دور وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والاجتماعية للتوعية بالفرق بين الممارسات الشخصية المشروعة في حدود المنزل، وبين الأنشطة العامة التي تؤثر على هوية المجتمع.
إن التطور والوعي لا يعنيان أبداً الذوبان في ممارسات وثقافات لا تشبهنا، بل إن قوة المجتمع العُماني تكمن دائمًا في قدرته على المعاصرة مع التمسك التام بأصالته ودينه وأخلاقه، ليبقى الحصن المنيع أمام كل ما يخدش وقاره واستقراره.
كتبه:
المهندس/ محمد بن فضل البلوشي


