حين يتحدث رئيس أمريكا إلى الأمريكيين من فوق منبر الأمم المتحدة

نشرت :

​د. حامد بن شظا المرجان

باحث وأكاديمي

​ربما لم تكن أكثرُ لحظات خطاب دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أهميةً هي ما قاله، وإنما ما لم يقله.

​فالرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا كان قد سبقه مباشرةً إلى المنبر؛ إذ تحدث عن أزمة النظام الدولي، وعن الحروب التي عجز المجتمع الدولي عن وقفها، وعن تراجع مصداقية الأمم المتحدة، وضرورة الدفاع عن التعددية والسيادة وإصلاح المؤسسات الدولية. وكان في خطابه، بطبيعة الحال، نقدٌ واضحٌ لسياسات الولايات المتحدة، وإن لم يجعل ترامب شخصيًا محور خطابه.

​ثم جاء ترامب.

​لم يردَّ على «لولا»، ولم يشر إليه أو إلى البرازيل في خطابه، ولم يدخل في سجال مع الرئيس البرازيلي، رغم أن الأخير كان قد تحدث قبل دقائق عن قضايا تمسُّ مباشرةً العلاقة بين واشنطن وبقية العالم.

​بدلًا من ذلك، تحدث ترامب طويلًا عن أمريكا: اقتصادها، ووظائفها، وحدودها، والجريمة، وقوتها العسكرية، وإنجازات إدارته، ثم انتقل إلى إيران وأوكرانيا وغزة وفنزويلا، قبل أن يعود مرة أخرى إلى القوة الأمريكية ومصالح الولايات المتحدة.

​وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: هلكانترامبيخاطبالعالممنداخلالأممالمتحدة،أمكانيخاطبالأمريكيينمنفوقمنبرالأممالمتحدة؟

​منبر عالمي أم منصة وطنية؟

​ليس من الغريب أن يتحدث رئيس دولة عن بلاده أمام الأمم المتحدة، بل إن الدفاع عن المصالح الوطنية جزءٌ أصيلٌ من الدبلوماسية الدولية.

​لكن الأمم المتحدة تأسست، في جوهر فكرتها، على افتراض مختلف قليلًا: أن الدول، مهما اختلفت مصالحها، تحتاج إلى مساحة مشتركة تتحدث فيها عن المشكلات التي لا تستطيع دولة واحدة حلها بمفردها.

​فالحرب، والمناخ، والفقر، والهجرة، والأوبئة، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومنع انتشار الأسلحة النووية؛ كلها قضايا لا تتوقف عند حدود الدول.

​ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: عندما تتحول الجمعية العامة إلى منصة لاستعراض الإنجازات الوطنية والدفاع عن السياسات الداخلية، ماذا يبقى من فكرة «المصلحة الدولية المشتركة»؟

​خطاب ترامب هذا العام أعطى انطباعًا واضحًا بهذا الاتجاه؛ فقد افتتح حديثه بعرض ما اعتبره نجاحات داخلية، بما في ذلك الاقتصاد والهجرة والجريمة، قبل أن ينتقل إلى سياسته الخارجية. وقد وصفت وكالة «أسوشيتد برس» بداية الخطاب بأنها أقرب إلى خطاب انتخابي موجه للناخبين الأمريكيين، بينما رأت وكالة «فرانس برس» أن الخطاب بدا وكأنه صيغ جزئيًا لجمهور أمريكي أنهكته الحرب.

​وهذه ليست إدانةً في حد ذاتها؛ فالرئيس الأمريكي منتخبٌ من الأمريكيين، ومن الطبيعي أن يدافع عن سياساته.

​لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخطاب الوطني هو اللغة الغالبة في المحفل الدولي…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img