الحكواتية والكاتبة/ ثمنة الجندل
تقول الحزاية.
زمان، لما كنا أطفالًا، كنا أحيانًا نخجل من زيارة الأم أو الأب للمدرسة.
ليس لأننا لا نحبهم، ولا نحتاج إلى مساندتهم، ولكن كنا نشعر أن ذهابهم إلى المدرسة يعني أننا لم نستطع حل مشكلتنا بأنفسنا.
وكنا نخاف ان يراهم زملائنا وهما يتحدثان مع المعلم بخصوصنا؛ فهذا يشعرنا بالنقص، وأننا ما زلنا صغارا لا نستطيع تدبر أمورنا، وربما تبدأ بعد ذلك بعض التعليقات أو السخرية من هذه الزيارة.
كنا نريد أن نجرب بأنفسنا، أن نخطئ ونصيب، وأن نحل مشكلاتنا الصغيرة بطريقتنا.
أما اليوم، فقد تغيرت الحكاية قليلًا…
حيث أصبحت بعض الأمهات يتابعن تفاصيل أبنائهن في المدرسة متابعة دقيقة جدًا؛ حتى إن الموقف الصغير قد يتحول إلى اتصال بالمدرسة أو القيام بزيارة لها.
أمٌّ تضايقت لأن ابنها، جلس في آخر الصف، وترى أن مكانه الأفضل في المقدمة.
وأخرى اتصلت لأن طفلًا أخذ قلم ابنها ولم يُعده.
وثالثة شاهدت في فيديو مدرسي أن ابنها واقف بينما بقية الأطفال جالسون، فانشغل بالها بالأمر.
وأخرى لم يعجبها أن يجلس ابنها مع مجموعة معينة من الأطفال.
ومع كل موقف صغير، نجد الأم حاضرة، تسأل، وتعترض، وتحاول أن تتدخل وتحل.
وهنا تقول الحزاية:
يا أمهات، يا فاضلات، اتركن لأطفالكن مساحة.
لا يعني هذا أن تبتعدي عن أبنائنك أو تهمليهم، ولا أن تتجاهلين ما يحدث لهم في المدرسة.
الأم الواعية تتابع، وتسأل، وتطمئن، وتعرف متى تتدخل، ومتى تترك لطفلها فرصة ليجرب بنفسه.
فالمدرسة ليست مكانًا للتعليم فقط، بل هي مجتمع مصغر يتعلم فيه الطفل كيف يتعامل مع المجتمع الكبير عندما يكبر.
هناك يتعلم أن يطلب حقه بأدب، وأن يتفاهم مع الآخرين، وأن ينتظر دوره، وأن يتقبل الاختلاف، وأن يتحمل بعض المواقف البسيطة، وأن يبحث عن حل لمشكلته.
إذا أخذ طفل قلمه، فليتعلم كيف يطلبه منه.
وإذا جلس في مكان لا يعجبه، فليتعلم كيف يتقبل الأمر ويتكيف معه، ما دام المكان مناسبًا وآمنًا.
وإذا اختلف مع زميله، فليحاول أن يحل خلافه بالكلام.
وإذا واجه مشكلة أكبر من قدرته، فهناك المعلم وادارة المدرسة، وهناك الأب والأم، وكلهم موجودون لمساندته عندما يحتاج.
نحن لا نريد طفلًا ينتظر أمه عند كل تحدى، بل نريد طفلًا يعرف كيف يقف بعد التحدي.
فالطفل الذي اعتاد أن تُحل كل مشكلاته بالنيابة عنه، قد يكبر وهو ينتظر دائمًا من ينقذه.
أما الطفل الذي نعطيه فرصة للتجربة والمحاولة، فسيتعلم شيئًا أهم من الحل نفسه:
سيتعلم كيف يجد الحل.
والحزاية هنا لا تقول للأم: ابتعدي عن طفلك.
بل تقول لها:
تابعيه! وجهيه! ولكن لا نسخة منه.
احميه… ولكن اتركيه يجرب.
ادعميه وسانديه… ولكن لا تكوني حلالة مشاكله.
فاليوم قد تكون المشكلة قلمًا ضاع أو مقعدًا لم يعجبه، وغدًا سيكون موقفًا مع صديق، وبعده مشكلة في الجامعة، ثم في العمل والحياة.
والحياة لا تخلو من المواقف والمحن.
فإذا كنا نريد أبناءً أقوياء وواثقين بأنفسهم، فعلينا أن نعطيهم فرصة ليتعلموا كيف يواجهونها، وكيف يتغلبون عليها .
دعوا أطفالكم يجربون…
دعوا لهم مساحة…
ودعوا لهم بعض العثرات الصغيرة، ليتعلموا كيف يقفون وحدهم.
فالحماية الحقيقية ليست أن نزيل عن طريق الطفل كل عقبة، وإنما أن نعلّمه كيف يتعامل مع العقبات عندما يجدها في طريقه.
وهنا تنتهي الحزاية…
ويبقى السؤال لكل أم وأب:
هل نحمي أطفالنا من كل مشكلة… أم نعلّمهم كيف يواجهون مشكلاتهم؟


