المتقاعدون وفن استثمار الخبرة

نشرت :

التقاعد ليس نهاية الخبرة، وإنما نهاية مرحلة من استخدامها وفق نظام وظيفي محدد. وهذه نقطة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً؛ لأن المجتمعات التي تنظر إلى المتقاعد باعتباره قد أنهى دوره، تخسر في صمت واحداً من أثمن مواردها البشرية: الخبرة المتراكمة.

فالمتقاعد لا يخرج من الحياة المهنية خالي الوفاض؛ بل يحمل معه سنوات من المعرفة، والتجربة، والعلاقات، والقدرة على قراءة المواقف، وفهم التفاصيل التي لا تمنحها الكتب ولا تختصرها الشهادات.

وقد يكون بين المتقاعدين مهندس قضى عقوداً في المشاريع، ومعلم أفنى سنواته في التربية، ومحاسب يعرف دقائق الإدارة والمال، وعسكري اكتسب خبرة في القيادة والانضباط، وفني أمضى عمره في التعامل مع الآلات والمعدات، وإداري يعرف كيف تُدار المؤسسات، وصاحب حرفة يعرف أسرار مهنته كما يعرف الإنسان ملامح بيته.

هذه الخبرات لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها ذكريات من الماضي.

إنها رأس مال معرفي واجتماعي قابل للاستثمار.

غير أن استثمار خبرة المتقاعد لا يعني بالضرورة إعادته إلى الوظيفة ذاتها أو تحميله أعباء مرحلة انتهت. الفكرة الأوسع هي إعادة توظيف الخبرة بما يتناسب مع المرحلة الجديدة؛ مستشاراً، ومدرباً، وموجهاً، ومرشداً، ومقيّماً، وعضواً في مجالس الخبرة، أو شريكاً في مشروع، أو صاحب مبادرة، أو ناقلاً للمعرفة إلى جيل جديد.

وهنا تبدأ الحاجة إلى الانتقال من الفكرة العامة إلى آليات واضحة لاستثمار هذه الثروة البشرية.

أولى هذه الآليات هي إنشاء قواعد بيانات وطنية ومؤسسية للخبرات المتقاعدة، لا تكتفي باسم المتقاعد وتخصصه، بل توثق سنوات خبرته، ومجالات اختصاصه، ومهاراته العملية، والمشروعات التي شارك فيها، والاستعداد الذي يبديه لتقديم الاستشارات أو التدريب أو المشاركة في المشروعات. فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست غياب الخبرة، وإنما غياب الجهة التي تعرف أين توجد وكيف يمكن الوصول إليها.

وثانيها إنشاء منصات لربط الخبرات بالاحتياجات؛ بحيث تستطيع المؤسسات والشركات ورواد الأعمال وأصحاب المشروعات الوصول إلى أصحاب الخبرة وفق تخصصاتهم، والاستفادة منهم بعقود استشارية أو مشروعات محددة المدة، بدلاً من حصر الاستفادة في التوظيف التقليدي.

وثالثها برامج نقل المعرفة بين الأجيال، بحيث يُقرن بعض المتقاعدين من ذوي الخبرات النوعية بشباب في بداية مسيرتهم المهنية. وهنا لا يكون المتقاعد مجرد مدرب، بل يصبح «مرشداً مهنياً» ينقل ما لا تستطيع المناهج الجامعية نقله: خبرة القرار، وقراءة المخاطر، وإدارة الأزمات، وفهم الواقع العملي.

ورابعها تحويل الخبرة إلى تدريب متخصص. فكثير من المتقاعدين يمتلكون معرفة تراكمية يمكن أن تتحول إلى دورات وبرامج تدريبية قصيرة في مجالات دقيقة، خصوصاً في المهن الفنية والإدارية والهندسية والتعليمية وغيرها.

وخامسها دعم المشروعات التي يقودها المتقاعدون أو يشاركون فيها، ولا سيما المشروعات التي تقوم على خبرة مهنية حقيقية. فالمتقاعد قد لا يحتاج إلى رأس مال ضخم بقدر ما يحتاج إلى شريك شاب يمتلك الأدوات التقنية والتسويقية، بينما يمتلك هو المعرفة والخبرة. ومن هنا يمكن أن تنشأ شراكات بين خبرة الأمس وطاقة الغد.

وسادسها تأسيس مجالس أو بيوت خبرة تخصصية تضم المتقاعدين من أصحاب التجارب النوعية، لتقديم الرأي والاستشارة والدراسات والمراجعات المهنية للمؤسسات والمشروعات، وفق أطر نظامية تحفظ حقوق جميع الأطراف.

وسابعها توثيق التجارب المهنية؛ فالخبير الذي أمضى ثلاثين أو أربعين عاماً في مجال معين يحمل في ذاكرته تاريخاً من القرارات والتجارب والحلول والأخطاء والنجاحات. وإذا لم تُوثق هذه المعرفة، فقد تموت بموت صاحبها أو تنتهي بخروجه من المؤسسة. ولذلك فإن الكتابة، والتسجيل، والمقابلات المهنية، والأرشفة، ودراسات الحالة، كلها أدوات للاستثمار المعرفي.

وثامنها تشجيع الاقتصاد القائم على الخبرة؛ بحيث لا ينظر إلى الاستشارات المهنية باعتبارها امتيازاً محدوداً لفئة معينة، وإنما باعتبارها سوقاً يمكن تنظيمها وتطويرها وفتح المجال فيها للخبرات المتقاعدة وفق معايير مهنية واضحة.

أما الآلية الأعمق، فهي تغيير الثقافة الاجتماعية تجاه التقاعد نفسه.

فالإنسان لا يفقد قيمته بمجرد أن يتوقف راتبه الشهري، كما أن انتهاء المسمى الوظيفي لا يعني انتهاء القدرة على العطاء. بل إن بعض الناس يبدأون بعد التقاعد في تقديم أفضل ما لديهم؛ لأنهم يصبحون أكثر تفرغاً للتفكير، وأكثر قدرة على اختيار المجال الذي يريدون أن يضعوا فيه خبرتهم.

وفي السياق العُماني، يمكن لهذه الرؤية أن تتحول إلى مسار وطني مهم ضمن مفهوم تنمية رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد. فالمجتمع الذي استثمر في تعليم أبنائه وتدريبهم لعقود، لا ينبغي أن يسمح بخروج هذه الاستثمارات من الدورة الاقتصادية والاجتماعية بمجرد بلوغ أصحابها سن التقاعد.

إن استثمار المتقاعدين لا يعني منافسة الشباب على وظائفهم، وهذه نقطة جوهرية؛ بل يعني تكامل الأدوار. فالشاب يمتلك الطاقة والأدوات الحديثة، والمتقاعد يمتلك التجربة والمعرفة المتراكمة. الأول قد يعرف كيف يستخدم التقنية، والثاني يعرف أين ينبغي استخدامها. الأول يرى الاحتمال، والثاني يعرف كلفة الخطأ.

وعندما يلتقي الاثنان، لا يصبح أحدهما بديلاً عن الآخر، بل يصبحان أكثر قدرة على صناعة قيمة مشتركة.

وهنا ينبغي أن نعيد تعريف مفهوم الثروة الوطنية.

فالثروة ليست نفطاً وغازاً وعقاراً ورأس مال مالي فحسب؛ هناك ثروة أكثر هدوءاً وأشد عمقاً: عقولٌ أمضت عقوداً في التعلم والعمل والتجربة.

وإذا كان الاستثمار الاقتصادي يبحث عن أفضل السبل لاستثمار المال، فإن الاستثمار البشري الأرقى يبحث عن أفضل السبل لاستثمار العقل والخبرة والتجربة.

لذلك فإن المتقاعد لا يحتاج دائماً إلى وظيفة جديدة؛ قد يحتاج إلى دور جديد.

وقد لا يحتاج إلى مكتب كبير؛ قد يحتاج إلى مؤسسة تعرف قيمة ما في ذاكرته.

وقد لا يحتاج إلى العودة إلى الماضي؛ بل يحتاج إلى أن تتحول خبرته الماضية إلى قيمة للمستقبل.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للخبرة ليس أن تتوقف عن العمل، وإنما أن تتوقف عن الانتقال.

فالخبرة التي لا تُورَّث تتحول إلى ذاكرة، والذاكرة التي لا تُوثق تتحول إلى حكاية، والحكاية التي لا تجد من يتعلم منها تتحول مع الزمن إلى شيء منسي.

أما حين تُنقل الخبرة من جيل إلى جيل، فإن عمر الإنسان المهني لا ينتهي بخروجه من الوظيفة؛ بل يبدأ أثره الحقيقي في الظهور.

فالمتقاعد الذي خدم ثلاثين عاماً ليس شخصاً انتهت خدمته؛ إنه ثلاثون عاماً من المعرفة تمشي على قدمين.

ومن لا يعرف كيف يستثمر هذه المعرفة، لا يخسر موظفاً متقاعداً فحسب؛ بل يخسر ثلاثين عاماً من التجربة.

ولهذا فإن التقاعد ينبغي ألا يكون إعلاناً بانتهاء الدور، بل إعلاناً بانتقال الدور من الوظيفة إلى الأثر، ومن التنفيذ إلى الحكمة، ومن الخبرة الشخصية إلى الذاكرة المؤسسية والوطنية.

فالأمم لا تتقدم فقط بمن يدخلون ميادين العمل، وإنما أيضاً بحسن انتفاعها بمن قطعوا فيها شوطاً طويلاً.

والخبرة التي تقاعد صاحبها لا ينبغي أن تتقاعد معه.

الشيخ حاتم الكثيري

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img