إذا كان للجسد صدرٌ يتقدمه ويوجه مساره، فإن للاستثمار العُماني وجهةً رائدةً تتقدم المشهد وتختزل المستقبل، وهي المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم. لم تكن الدقم مجرد بقعة جغرافية أُعيد اكتشافها، بل هي رؤية استراتيجية صاغتها سلطنة عُمان لتكون قاطرة التنوع الاقتصادي الباحثة عن آفاق تتجاوز عصر النفط، وهو ما تترجمه بلغة الأرقام القفزة القياسية في حجم الاستثمار التراكمي الملتزم به في الدقم، والذي ارتفع إلى 8.818 مليار ريال عُماني (نحو 23 مليار دولار أمريكي) بنهاية يونيو 2026، مسجلاً نموًا بنسبة 141% مقارنة بعام 2021.
حتى في تضاريس الجغرافيا ورسم الخارطة العُمانية، تمثل الدقم «الخاصرة» المركزية التي تمتد كأكبر منطقة اقتصادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على مساحة تبلغ 2,000 كيلومتر مربع، لتربط الشمال بالجنوب، وتطل مباشرة على خطوط الملاحة العالمية المفتوحة. هذا الموقع الاستثنائي يمنحها ميزة جيوسياسية واقتصادية فريدة؛ فهي البوابة الحرة المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي، والبعيدة عن عدد من مضائق الاختناقات الجيوسياسية، مما يمنحها مقومات لتكون حلقة وصل بين أسواق آسيا وإفريقيا والأسواق الغربية.
تفرد جيوسياسي واستجابة لبركة موعودة
هذا التموضع الجغرافي للدقم على السواحل المفتوحة ليس مجرد مصادفة جغرافية، بل هو تجسيد مادي لبركة تاريخية وتوجيه نبوي شريف؛ فقد خصّ الرسول ﷺ أهل عُمان بدعاء استثنائي يربط استدامة رزقهم بالبحر حين قال: «… وأن يوسّع عليهم في ميرتهم، ويكثر خيرهم من بحرهم».
ومن هنا، يصبح تحويل الدقم إلى قطب اقتصادي بحري استثمارًا واعيًا لهذه الميزة البحرية، وجعلها «النفط المتجدد» الذي يمكن أن تتجدد موارده وقيمته الاقتصادية، لاسيما في ظل ما تمتلكه سلطنة عُمان من موارد بحرية واسعة.
وقد بلغت القيمة الإجمالية للأسماك الناتجة عن أنشطة الصيد الحرفي والساحلي والتجاري والاستزراع السمكي نحو 320.8 مليون ريال عُماني بنهاية يونيو 2026، فيما تصدرت محافظة الوسطى المحافظات العُمانية في إنزال الصيد الحرفي، مسجلة نحو 246.2 ألف طن خلال عام 2025.
وعند إسقاط هذه الميزة على الخارطة السياسية والاقتصادية للمنطقة، نجد أن المعادلة بين الموقع البحري المفتوح والثروة السمكية الواسعة تمنح عُمان فرصة استراتيجية مهمة في بناء اقتصاد أزرق متكامل. فالموقع الجغرافي وحده لا يكفي، كما أن وفرة الموارد وحدها لا تكفي؛ وإنما تكمن القيمة الحقيقية في القدرة على تحويل الموقع والموارد إلى صناعات وخدمات وسلاسل قيمة متكاملة.
وفي هذا السياق، تمنح السلطنة عوامل الاستقرار السياسي والبنية الأساسية والموانئ والموقع الجغرافي مقومات مهمة لتطوير الدقم كمنصة إقليمية للصناعات والخدمات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق.
رؤية استباقية: مقترح 2005 وهندسة القيمة المضافة
وفي سياق تحويل هذه المقومات الفريدة إلى مركز ثقل عالمي، برزت الأفكار الاستراتيجية المبتكرة مبكرًا لاستشراف هذا العطاء الجغرافي. ففي عام 2005 — وقبل تأسيس هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بسبع سنوات — تم التقدم بمقترح استراتيجي شامل إلى المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- من خلال مبادرة وطنية من مؤسسة عُمانية محلية بالتعاون والشراكة مع شركة «آسيا كابيتال»؛ وذلك لإنشاء «مدينة عالمية للصيادين»، أو ما يُعرف بـ مركز (هب) المحيط الهندي للصناعات السمكية.
انطلق هذا المقترح المشترك من نقدٍ بنيوي للنموذج التقليدي للمناطق الحرة التي تُبنى كقوالب عامة تفتقر إلى التخصص القطاعي العمودي (Sectoral Focus). وجاء المقترح ليعالج معضلة اقتصادية كبرى في قطاع الثروة السمكية: وهي أن قيمة السمكة في البحر تساوي صفر ريال، وعند مناطق الإنزال الأولي لا تتعدى قيمتها نسبة محدودة من قيمتها النهائية عند المستهلك، بينما تتشكل النسبة الأكبر من القيمة الاقتصادية في المراحل اللاحقة من سلسلة القيمة، كالتصنيع والتعبئة والتسويق والتوزيع.
وهنا تكمن جوهر الفكرة: الثروة لا تكمن فقط في اصطياد السمكة، وإنما في كل ما يمكن أن يُبنى حولها من قيمة مضافة.
وكان الهدف الاستراتيجي للمشروع هو إعادة هندسة سلسلة القيمة وتوطين أكبر قدر ممكن من تلك القيمة داخل الاقتصاد العُماني، بما يعزز القيمة المضافة للقطاع ويربط الثروة السمكية بالصناعات الغذائية واللوجستية والتقنية والخدمات البحرية.
وقد بلغت القيمة المضافة لأنشطة الثروة السمكية في سلطنة عُمان 521 مليون ريال عُماني في عام 2025، بما يعكس اتساع الأثر الاقتصادي للقطاع خارج حدود عملية الصيد نفسها.
وتجسدت هذه الرؤية على أرض الواقع من خلال تطوير ميناء الصيد البحري بالدقم، الذي يمتد على مساحة تبلغ نحو 600 هكتار، وبعمق يصل إلى 10 أمتار، بما يتيح له استقبال سفن الصيد التجارية الكبيرة، مدعومًا بمنطقة للصناعات السمكية والغذائية صممت لاستيعاب نحو 60 منشأة متخصصة.
كما تحتضن المنطقة مشاريع استراتيجية، من بينها مصنع الشركة الدولية للمنتجات البحرية «سماك»، بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 100 مليون علبة سنويًا من منتجات الأسماك، مع قدرات معالجة تتجاوز 30 ألف طن سنويًا.
وهنا تتحول الدقم من مجرد موقع لإنزال الأسماك إلى منظومة متكاملة تبدأ من البحر ولا تنتهي عند الميناء؛ بل تمتد إلى التصنيع والتعبئة والتخزين والتبريد والنقل والتسويق والتصدير والخدمات اللوجستية، وهي المنظومة التي تصنع القيمة الحقيقية للاقتصاد الأزرق.
تدويل المنصة: الدقم كـ«قبلة» عالمية
ولم يكن هذا المركز رهينًا بالمخزون السمكي للمياه الإقليمية العُمانية فحسب، بل تبنى فلسفة الاقتصاد العالمي العابر للقارات، مستلهمًا تجارب دولية قادت أسواقًا بمليارات الدولارات ليس بالضرورة لأنها تمتلك كل المادة الخام، وإنما لأنها وفرت المنظومة واللوجستيات والتقنية وسلاسل القيمة.
فالعبرة بنموذج هولندا، التي بلغت قيمة صادراتها من منتجات البستنة والزينة نحو 12.3 مليار يورو في عام 2025، مستفيدة من منظومة متطورة للإنتاج والتجارة والمزادات وإعادة التصدير، وفي مقدمتها منظومة تجارة الزهور في ألسماير، بما جعلها مركزًا عالميًا لإعادة توزيع المنتجات الزراعية والبستنة.
وبنموذج إيطاليا، حيث تمثل صناعة الرخام وتجهيزه وتصميمه نموذجًا على كيفية تحويل المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة أعلى من خلال التكنولوجيا والخبرة الصناعية والتصميم، ومن أبرز الأمثلة قطاع رخام كارارا الذي بلغت صادراته نحو 805 ملايين يورو وفق البيانات المتاحة للقطاع.
وبالتجربة الفريدة لـ النرويج، التي سجلت في عام 2025 صادرات من المأكولات البحرية بلغت نحو 2.8 مليون طن بقيمة 181.5 مليار كرونة نرويجية، مستفيدة من منظومة متقدمة للصيد والاستزراع والمعالجة والتصدير، مع حضور قوي في أسواق عالمية من بينها الولايات المتحدة والصين.
أما إسبانيا، فتقدم نموذجًا آخر في بناء سوق متكاملة للمأكولات البحرية؛ إذ قُدّر حجم سوق المأكولات البحرية فيها بنحو 6.1 مليار دولار في عام 2025، في ظل منظومة واسعة من الأسواق والخدمات والتجارة والتوزيع.
هذه التجارب تؤكد أن امتلاك المورد الطبيعي يمثل نقطة البداية فقط، بينما تكمن القوة الاقتصادية الحقيقية في امتلاك سلسلة القيمة كاملة أو أكبر قدر ممكن منها.
الدقم.. من ثروة البحر إلى اقتصاد القيمة
وهنا تحديدًا تبرز الفرصة العُمانية.
فإذا كانت سلطنة عُمان تمتلك ثروة بحرية واسعة، وموقعًا استراتيجيًا مفتوحًا على بحر العرب والمحيط الهندي، وموانئ حديثة، ومنطقة اقتصادية بمساحة 2,000 كيلومتر مربع، وميناءً للصيد في الدقم يمتد على 600 هكتار، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد: كم طنًا يمكن أن نصطاد؟
بل يصبح:
كم ريالًا يمكن أن نصنع من كل طن؟
وكم مصنعًا يمكن أن ينشأ حوله؟
وكم وظيفة يمكن أن تتولد من سلسلة القيمة؟
وكم خدمة لوجستية وتقنية وتمويلية يمكن أن ترتبط به؟
وكم سوقًا عالميًا يمكن أن تصل إليه المنتجات المصنعة في عُمان؟
وهنا تتحول السمكة من مورد طبيعي إلى منصة اقتصادية متكاملة؛ فكل مرحلة تضاف إليها داخل السلطنة تعني قيمة جديدة للاقتصاد، وفرصة جديدة للمؤسسات العُمانية، ومجالًا جديدًا للاستثمار، ومسارًا جديدًا للتنويع الاقتصادي.
ومن هذا المنظور، فإن الدقم لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها منطقة اقتصادية خاصة، بل باعتبارها مختبرًا وطنيًا لبناء نموذج متكامل للاقتصاد الأزرق؛ نموذج يجمع بين الثروة البحرية والموانئ والصناعات السمكية والغذائية واللوجستيات والتقنية والخدمات البحرية والتصدير.
من الفكرة إلى صناعة المستقبل
إن مقترح مركز (هب) المحيط الهندي للصناعات السمكية لعام 2005 لم يكن مجرد تصور لإنشاء منشأة أو منطقة صناعية، بل كان محاولة مبكرة لإعادة تعريف العلاقة بين عُمان والبحر؛ من اقتصاد يعتمد على استخراج المورد إلى اقتصاد يصنع القيمة حول المورد.
واليوم، ومع ما تشهده الدقم من توسع استثماري وتطور في البنية الأساسية وتنامٍ في الصناعات والخدمات، تتعزز إمكانية تحويل هذه الرؤية إلى نموذج عملي متكامل.
فالدقم تمتلك ما تحتاجه المنصات العالمية الكبرى: الموقع، والمساحة، والموانئ، والموارد، والاستقرار، والبنية الأساسية، والانفتاح على الأسواق العالمية.
ويبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من مرحلة امتلاك الميزة إلى مرحلة تعظيم قيمتها.
فالبحر العُماني ليس مجرد مصدر للأسماك، والدقم ليست مجرد ميناء، والمنطقة الاقتصادية ليست مجرد مساحة للاستثمار؛ بل يمكن أن تشكل جميعها منظومة واحدة لصناعة اقتصاد أزرق عُماني قادر على المنافسة عالميًا.
وهكذا يمكن أن تصبح الدقم الوثبة العُمانية الكبرى نحو صناعة نموذج حي يترجم عبقرية المكان والجغرافيا السياسية إلى رخاء اقتصادي مستدام، وتنوع حقيقي، وقيمة مضافة تتجاوز حدود البحر إلى آفاق الاقتصاد العالمي.
كتبه/ المهندس محمد بن فضل البلوشي
(صاحب ومقدم مقترح مركز «هب» المحيط الهندي للصناعات السمكية بالدقم – 2005)


