ست جوائز في تونس … ماذا يقول النجاح عن مستقبل الإعلام العُماني؟

نشرت :

من التتويج إلى بناء إعلام عُماني أكثر احترافًا وتأثيرًا وحضورًا عالميًا

راي اليوم

صحيفة اليوم العمانية

لم تكن الجوائز الست التي حصدتها وزارة الإعلام في الدورة السادسة والعشرين للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون في تونس مجرد لحظة احتفالية عابرة، بل يمكن النظر إليها باعتبارها محطة مهمة في مسار الإعلام العُماني، وفرصة لقراءة ما تحقق، والبناء عليه، والانتقال من مرحلة إثبات القدرة على المنافسة إلى مرحلة أكثر اتساعًا في صناعة المحتوى الإعلامي. وجاء الحضور العُماني متنوعًا بين الإذاعة والتلفزيون إذ حصل تلفزيون سلطنة عُمان على ثلاث جوائز، فيما حصدت إذاعة سلطنة عُمان ثلاث جوائز أخرى. وتوزعت الأعمال الفائزة بين الوثائقي، والحوار والتقرير الإخباري والبرامج الثقافية والاقتصادية والدراما الإذاعية. وهذا التنوع مهم لأنه يشير إلى أن النجاح لم يكن محصورًا في قالب إعلامي واحد، وإنما امتد إلى عدد من أشكال الإنتاج الإعلامي.

ماذا تعني الجوائز الست؟

أولى الدلالات أن المنتج الإعلامي العُماني قادر على الوصول إلى منصات المنافسة العربية وتحقيق نتائج متقدمة فيها. والدلالة الثانية تتمثل في تنوع مجالات التميز ففوز «الحوت الأحدب العربي» في فئة الأفلام والبرامج الوثائقية العامة، و«حديث الشباب» في البرامج الحوارية، و«ما قاله الظل» في البرامج الثقافية، و«أيادٍ تثمر» في البرامج الاقتصادية، و«الفراهيدي» في الدراما، إلى جانب التتويج في التقرير الإخباري، يكشف اتساع مساحة التجربة الإعلامية وتعدد الأدوات والقوالب المستخدمة في إنتاج المحتوى.

كما أن وجود ستة أعمال متوجة يلفت الانتباه إلى عنصر آخر لا يقل أهمية عن الفكرة نفسها، وهو العمل المؤسسي خلف الشاشة والميكروفون؛ من الفكرة والبحث والكتابة والإعداد، إلى التصوير والإخراج والمونتاج والإنتاج والتقديم.

وقد أشار وكيل وزارة الإعلام إلى أن تطوير الكفاءات يمثل ركيزة أساسية للارتقاء بجودة المحتوى وتعزيز قدرته على المنافسة، وهو ما يجعل الاستثمار في الإنسان الإعلامي أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا التتويج.

الجائزة ليست النهاية.. بل بداية السؤال الأصعب

التحدي الحقيقي بعد الحصول على الجوائز لا يتمثل في الاحتفال بها، وإنما في الإجابة عن سؤال: ماذا بعد؟ فالحفاظ على المستوى الذي أوصل الأعمال العُمانية إلى منصات التتويج يتطلب ألا تتحول الجوائز إلى هدف نهائي، بل إلى مؤشر أداء ضمن مشروع أكبر لتطوير الإعلام. وهنا تبرز أهمية إنشاء دورة مؤسسية واضحة تبدأ بتحليل الأعمال الفائزة: لماذا نجحت؟ ما عناصر قوتها؟ كيف صيغت الفكرة؟ ما مستوى البحث؟ كيف عولجت الصورة والصوت؟ ما طبيعة السرد؟ وكيف تم تقديم الموضوع للجمهور؟

ثم تأتي الخطوة الأهم وهي تحويل عناصر النجاح إلى معرفة مؤسسية قابلة للتكرار والتطوير، وليس مجرد تجارب فردية مرتبطة بأسماء بعينها. ان خلق إعلام يحافظ على الأساس ويتقدم في الأدوات امر في غاية الأهمية فالإعلام العُماني يمتلك خصوصية مرتبطة بطبيعة المجتمع العُماني وثقافته وهويته وتاريخه وتجربته التنموية.

ومن هنا فإن الانتقال إلى إعلام أكثر عالمية لا يعني بالضرورة التخلي عن هذه الخصوصية، بل يعني تطوير الطريقة التي تُقدَّم بها. فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن القصة الجيدة، والصورة المتميزة، والبيانات الدقيقة، والسرد المؤثر، والإنتاج الاحترافي ويمكن أن يكون الموضوع عُمانيًا في جذوره، لكنه عالمي في طريقة تقديمه.

وهنا يمكن أن يتحول التاريخ العُماني، والبيئة، والبحر، والجبل، والصحراء، واللبان، والتراث، والاقتصاد، والشباب، والابتكار، والإنسان العُماني إلى قصص إعلامية قادرة على الوصول إلى جمهور يتجاوز الحدود الجغرافية.

فالمطلوب في المرحلة القادمة الاستثمار في الكفاءات فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع إعلامًا عالميًا. وهو بناء جيل من الإعلاميين يمتلك مهارات متعددة البحث، والتحقق، والكتابة، والسرد البصري، والإخراج، والإنتاج الرقمي، وتحليل البيانات، وإدارة المقابلات، وإنتاج المحتوى للمنصات المختلفة. كما أن التدريب يجب ألا يكون موسميًا، وإنما برنامجًا مستمرًا، يرتبط باحتياجات غرف الأخبار والإنتاج الفعلية.

وكذلك الانتقال من «البرنامج» إلى «المشروع الإعلامي» والعمل الإعلامي الناجح لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء الحلقة.ويمكن تطوير المشاريع الناجحة إلى منظومات محتوى متكاملة من خلال برنامج تلفزيوني، ونسخة إذاعية، وبودكاست، وفيديوهات قصيرة، ومواد تفاعلية، وإنفوغرافيك، ومحتوى لمنصات التواصل الاجتماعي وبذلك تصبح الفكرة الواحدة قادرة على الوصول إلى جمهور متعدد المنصات.

ان صناعة الوثائقي العُماني امر مهم فالتجربة الحالية تقدم مؤشرًا مهمًا على قدرة الإنتاج الوثائقي العُماني على المنافسة، بعد حصول «الحوت الأحدب العربي» على الجائزة الأولى في فئة الأفلام والبرامج الوثائقية العامة. وهنا يمكن البناء على التجربة عبر مشروع طويل الأمد لإنتاج سلسلة وثائقيات عن عُمان والهدف ليس إنتاج وثائقيات للاستهلاك المحلي فقط، وإنما إنتاج أعمال يمكن ترجمتها وتسويقها وبثها على منصات عربية ودولية.

كما ان  إعطاء الإعلام الرقمي أولوية أكبر فالمنافسة الإعلامية لم تعد محصورة بين التلفزيون والإذاعة والصحيفة.

اليوم توجد المنصات الرقمية والبودكاست والفيديو القصير والمنصات التفاعلية والذكاء الاصطناعي وأشكال جديدة من السرد. واللافت أن قائمة جوائز الدورة نفسها تضمنت فئات مرتبطة بالإعلام الجديد والبودكاست، بما يعكس اتساع خريطة المنافسة الإعلامية. لذلك فإن الإعلام العُماني يحتاج إلى أن يكون حاضرًا في المكان الذي يوجد فيه الجمهور، وليس فقط في المنصة التي اعتاد الإعلام استخدامها. ان الحفاظ على التوازن فالتطور لا يعني أن يصبح الإعلام أكثر صخبًا ولا تعني العالمية التخلي عن الرصانة ولا تعني السرعة التخلي عن التحقق ولا يعني جذب الجمهور استخدام الإثارة على حساب المضمون. المطلوب هو بناء معادلة تجمع بين الاحتراف والرصانة، والسرعة والدقة، والحداثة والهوية، والجاذبية والمسؤولية. وهذا التوازن يمكن أن يصبح إحدى السمات المميزة للإعلام العُماني.

ان فتح الباب أمام المواهب الجديدة فمن من المهم ألا تظل صناعة المحتوى الجيد محصورة في المؤسسات التقليدية. حيث يمكن أن تكون هناك برامج لاكتشاف المخرجين والكتّاب والمصورين والمقدمين وصناع الأفلام الشباب، مع منحهم فرصًا حقيقية للعمل والإنتاج، وربط المواهب الجديدة بخبرات المؤسسات الإعلامية. فالمستقبل الإعلامي لن يُبنى فقط بما لدى المؤسسة اليوم، وإنما بما تستطيع أن تصنعه من كوادر للمستقبل.

ان بناء شراكات دولية يعد الخطوة التالية يمكن أن تتجاوز المنافسة العربية إلى حضور أوسع في المهرجانات والمنصات والمنتديات الإعلامية الدولية.

وهذا يتطلب إنتاج نسخ متعددة اللغات، خصوصًا الإنجليزية، وتطوير معايير الإنتاج بما يتناسب مع الأسواق العالمية، وبناء شراكات مع مؤسسات إنتاج وإعلام دولية. والهدف ليس أن يصبح الإعلام العُماني نسخة من إعلام آخر، بل أن تصبح القصة العُمانية قابلة لأن تُروى وتُفهم وتُقدَّر عالميًا.

ان قياس النجاح بما بعد الجائزة مهم ، لكنها ليست المقياس الوحيد. يمكن للإعلام العُماني أن يطور مؤشرات أخرى، مثل حجم الجمهور والوصول ونسبة المشاهدة والاستماع والتفاعل الحقيقي مع المحتوى. وجودة الإنتاج وكذلك الانتشار خارج سلطنة عُمان وعدد الأعمال التي تُترجم إلى لغات أخرى.والمشاركة في مهرجانات دولية ونحن نملك الكثير من الكفاءات لذلك .

و الست جوائز التي حققتها وزارة الإعلام في تونس تمنح الإعلام العُماني مناسبة مهمة للاحتفاء، لكنها تمنحه في الوقت نفسه مسؤولية أكبر فإذا كانت هذه الأعمال قد أثبتت قدرة المنتج العُماني على المنافسة عربيًا، فإن الخطوة القادمة تتمثل في رفع سقف الطموح من خلال المنافسة العربية إلى الحضور الدولي، ومن الإنتاج المنفرد إلى المشاريع الإعلامية المستدامة، ومن النجاح في المسابقة إلى بناء صناعة محتوى قادرة على الاستمرار.

المطلوب ليس تغيير شخصية الإعلام العُماني، وإنما تطوير أدواته وليس التخلي عن الأساس، وإنما تقويته وليس تقليد الإعلام العالمي، وإنما الوصول إلى مستواه المهني مع الاحتفاظ بالصوت العُماني. وهذا ممكن أن تكون المعادلة المستقبلية واضحة وهي هوية عُمانية راسخة + مهنية إعلامية عالية + تقنية حديثة + سرد قصصي متطور + حضور رقمي واسع = إعلام عُماني قادر على مخاطبة العالم. فالجوائز الست يمكن أن تُقرأ بوصفها حصادًا لما تحقق، لكنها في الوقت نفسه نقطة انطلاق لما ينبغي أن يتحقق.

حفظ الله عمان وأهلها وسلطانها  والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافة من كل شر …

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img