د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب/صحفي
ماذا لو لم يكن السؤال الأهم في العمل الخيري: كم أعطينا؟
بل: ماذا صنع هذا العطاء في الإنسان؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يغيّر زاوية النظر إلى العمل الخيري كله
فالطفل الذي فقد أحد والديه أو كليهما يحتاج إلى الرعاية والأمان والتعليم، ويحتاج إلى من يقف بجانبه حين تكون ظروفه أقوى من قدرته على مواجهتها. هذه مسؤولية إنسانية لا تحتمل التأجيل.
لكن هناك سؤالًا آخر يبدأ بعد تلبية الحاجة :
ماذا بعد؟
هل نكتفي بأن يأخذ الإنسان ما يحتاجه اليوم، أم نساعده على امتلاك ما يجعله قادرًا على بناء غده؟
هنا يبدأ الفرق بين الرعاية والتمكين
وفي ظفار، تبدو تجربة جمعية بهجة العمانية للأيتام جديرة بالتأمل من هذه الزاوية. فالجمعية لا تقف عند الكفالة والرعاية المباشرة، وإنما تمتد برامجها إلى التعليم والتأهيل والدعم العلمي والقيادي، وإلى مجالات التمكين والتدريب. ومن أمثلة ذلك تخريج 44 من أبنائها في عام 2025، بينهم 14 في مسارات التمكين التقني و30 في تخصصات صحية .
وهنا تتغير الصورة .
لم نعد أمام مساعدة لطفل يحتاج إلى الرعاية فقط، وإنما أمام محاولة لفتح طريق أمام إنسان يستطيع أن يبني مستقبله
وهذا ما أسميه: هندسة الإنسان .
ولا أقصد بالهندسة أن نصنع الإنسان وفق قالب جاهز، أو أن نقرر له مستقبله من الخارج. المقصود أن نوفر البيئة التي تساعده على اكتشاف قدراته، وتنمية مهاراته، وبناء ثقته بنفسه، ثم اختيار الطريق الذي يستطيع أن ينجح فيه .
فالطفل قد يحتاج إلى المال، لكنه يحتاج أيضًا إلى المعرفة .
وقد يحتاج إلى الرعاية، لكنه يحتاج كذلك إلى التوجيه.
وقد يحتاج إلى فرصة، لكنه يحتاج قبلها إلى من يساعده على اكتشاف أنه قادر على استثمارها .
ومن هنا يصبح التعليم والتدريب والتأهيل جزءًا من صميم العمل الخيري، لا إضافة إليه .
لكن التمكين لا يكتمل بالإنسان وحده .
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية :
كيف نجعل الخير نفسه مستدامًا؟
في تجربة بهجة، نجد اهتمامًا بمشروعات وأوقاف ومصادر دخل مستدامة، إلى جانب التدريب ومشروعات التمكين الاقتصادي. وهذه زاوية مهمة؛ لأن المؤسسة التي تريد أن تصنع أثرًا طويل المدى تحتاج إلى أن تفكر في استدامة مواردها، لا في استدامة احتياجات المستفيدين فقط .
وهنا ينتقل العمل الخيري من مجرد إدارة الاحتياج إلى إدارة الأثر
وهذه نقلة كبيرة.
فالمساعدة التي تسد حاجة اليوم مهمة، لكن الأثر الأكبر هو الذي يقلل حاجة الغد.
ومن هنا يمكن أن نعيد طرح الأسئلة :
كيف ننتقل من كفالة الطفل إلى اكتشاف موهبته؟
ومن توفير احتياجاته إلى بناء مهاراته؟
ومن حمايته في سنوات ضعفه إلى إعداده لسنوات استقلاله؟
ومن التبرع لمرة واحدة إلى بناء مشروع قادر على مواصلة أثره؟
هذه الأسئلة لا تخص جمعية بعينها؛ إنها تخص مستقبل العمل الاجتماعي كله .
فالنجاح لا يقاس فقط بعدد المستفيدين، ولا بحجم المساعدات التي وصلت إليهم، وإنما بما يحدث لهم بعد سنوات.
كم واحدًا اكتشف قدرته؟
كم واحدًا امتلك مهارة؟
كم واحدًا أصبح قادرًا على إعالة نفسه؟
وكم واحدًا عاد يومًا ليساعد غيره؟
هنا يتحول العطاء إلى دائرة لا تنتهي.
وهنا أيضًا تتغير صورتنا للطفل اليتيم.
ليس مجرد إنسان يحتاج إلى الحماية، وإنما إنسان يحمل قدرة يمكن أن تنمو، ومستقبلًا يمكن أن يُبنى، وطاقة يمكن أن تصبح إضافة إلى المجتمع.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله للطفل ليس: سنظل نعطيك
بل :
سنقف إلى جانبك حتى تصل إلى اليوم الذي تستطيع فيه أن تقول: أنا أستطيع .
ذلك، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي للعمل الخيري :
هل ننجح في رعاية الإنسان فقط، أم ننجح في تمكينه؟
وربما يكون مستقبل العمل الاجتماعي في أن يتغير السؤال من
ماذا قدمنا للإنسان؟
إلى السؤال الأعمق :
ماذا أصبح الإنسان قادرًا على أن يقدم لنفسه ولمجتمعه؟
وهنا، في رأيي، يبدأ العطاء الذي لا ينتهي بانتهاء التبرع، بل يستمر في إنسان أصبح قادرًا على العطاء .


