في رأسي… أرض الله الواسعة

نشرت :

أحمد الحضرمي

كم شخصاً استيقظ في جسدك هذا الصباح؟

لا تجب بسرعة،

فالذي سيجيب واحد منهم فقط.

في رأسي ما يشبه الملائكة والأنبياء،

وما يشبه النبلاء والغافلين،

وما يشبه الكهنة وقطاع الطرق.

لا أدّعي وحياً ولا قداسة؛

هي أسماء أستعيرها لأقرّب بها ما يسكننا.

في رأسي أرض الله الواسعة؛

لا حدود واضحة بين مدينة وصحراء،

ولا سور يفصل الحكيم عن الأحمق،

ولا شرطي عند بوابة العقل يسأل الداخل:

من أنت؟ ومن سمح لك بالدخول؟

يجلس الحكيم بجانب الأحمق،

ويحادث الزاهد اللص،

ولا أحد يطرد أحداً.

لأنني اكتشفت مع الوقت

أن الإنسان ليس صوتاً واحداً كما يحب أن يظن.

نحن جماعة كاملة تسكن جسداً واحداً:

طفل لم يكبر،

ورجل لم يتعلم،

وحكيم تأخر كثيراً في الوصول،

وغريب لا نعرف من أين جاء،

وظلّ طويل لشخص كنا نظنه نحن.

وفي داخل كل واحد منا مدينة مزدحمة،

فيها من يعرف الطريق،

ومن يصرّ على السير في الاتجاه الخطأ،

وفيها من يريد النجاة،

ومن لا يزال يحنّ إلى الحريق.

ولذلك لا ينبغي أن نستعجل الحكم على أنفسنا.

لا أدعو إلى ترك المحاسبة؛ فالمحاسبة تأتي بعد الفهم لا قبله.

والصراع في الداخل ليس دائماً علامة فوضى،

بل قد يكون علامة على أن الحياة أوسع من أن تُختصر في رأي واحد.

أحياناً أفتح باباً في داخلي فأجد وراءه باباً آخر.

أفتحه فأجد سؤالاً،

وأفتح السؤال فأجد خوفاً،

وأفتح الخوف فأجد طفلاً ينتظر منذ سنوات أن يسمعه أحد.

وهكذا يغدو البحث عن النفس سفراً في أرض لا تظهر على الخرائط:

كلما ظننت أنك وصلت،

اكتشفت أنك لم تبلغ إلا حدود منطقة جديدة.

وفي رأسي أصوات كثيرة تتكلم معاً:

صوت يخاف،

وصوت يرجو،

وصوت يعترض،

وصوت يسامح،

وصوت يريد أن يهرب،

وصوت آخر يقول: ابقَ.

لم أعد أطلب إسكاتها؛ فليس كل صوت يجب أن ينتصر.

أن تعرف أن الغضب موجود، لكن ألّا تجعله قائداً،

وأن تعرف أن الخوف موجود، لكن ألّا تجعله إلهاً،

وأن تعرف أن الرغبة موجودة، لكن ألّا تسلّمها مفاتيح المدينة.

ثم جاء الاكتشاف الأثقل:

الذي يعدّ الأصوات ويصغي إليها ليس واقفاً خارجها.

هو واحد من أهل المدينة؛

حكيم في ساعة، وغافل في ساعة،

وفي ساعات كثيرة لا يعرف أيّ الأصوات صوته،

وأيّها غريب يتكلم بلسانه.

فمن يقود مدينة قائدها تائه؟

لا أحد.

ولهذا تفشل كل محاولة أن ينجو الإنسان بنفسه من داخل نفسه:

مدينة تبحث عن مخرجها بخريطة رسمها أهلها وهم ضائعون.

النجاة تحتاج إلى نور لا ينتمي إلى المدينة،

يأتي من خارجها،

فيفرّق بين صوت يشبهنا وصوت يتنكّر في هيئتنا.

والغافل ضائع لا يدري، فلا يسأل.

أما إذا استيقظ فأول ما يوقظه أنه لا يعرف الطريق.

هنا يصير التيه سؤالاً بلسان الحال؛

يسأل بخطاه قبل أن يسأل بفمه،

وأصدق أسئلة الضائع كلمة واحدة:

دُلّني.

والهداية يدان:

يد تدلّك على الطريق،

ويد تثبّت قدمك فيه.

ولعلها تسبق السؤال.

لكن ليس كل غافل يستيقظ.

بعضهم تصله رسالة بطريقة ما فتهزّ فيه شيئاً لا يعرف اسمه،

وبعضهم تتوالى عليه الرسائل فلا ينتبه،

أو ينتبه ولا يحسن فهمها.

وليس الجميع محظوظين بالقدر نفسه.

فلا تستعجل الحكم على الناس أيضاً.

نرى بعضنا في دقائق،

ثم نبني على تلك الدقائق حكماً كاملاً:

نرى وجه الرجل ولا نرى المدن التي يحملها،

ونسمع جملة ولا نسمع عشرات الجمل التي سبقتها في رأسه،

ونرى هدوءه ولا نعرف الضجيج الذي عبره كي يبدو هادئاً.

ولا غرابة أن يراني بعضهم غريباً؛

فهم ينظرون إليّ من نافذتهم، وأنا أنظر من نافذتي.

وليس كل ما نراه من نوافذنا حقيقة العالم؛

فقد تكون النافذة غائمة أو منكسرة،

ونحتاج أحياناً إلى أن نبتعد عنها قليلاً

لنكتشف أننا كنا نخلط بين العالم وانعكاسه على زجاجنا.

التواضع أن أقول: لا أدري،

وأن أضيف: أنا أرى من نافذة، وأنت ترى من أخرى،

والسماء أكبر من النافذتين.

وفي المسافة بين ما أعرفه وما لن أعرفه يبدأ الغيب،

ومن الغيب يبدأ الإيمان.

فالله لا يحتاج إلى عالم صغير كي يكون عظيماً،

بل يتجلى جلاله في اتساع لا نحيط به.

وربما تبدأ الرحمة من معرفة بسيطة:

أنك لا تعرف ما يجري في رأس الآخر،

ولا تعرف حتى كل ما يجري في رأسك.

ففي داخلك، كما في داخلي،

أرض واسعة لم تصل إليها الخرائط بعد:

فيها ما يشبه الملائكة والأنبياء،

وما يشبه النبلاء والغافلين،

وما يشبه الكهنة وقطاع الطرق،

وفيها صحارى وأبواب وأصوات وأخطاء وأسرار،

وأشياء لم تولد بعد،

وكل ذلك يسير تحت سماء واحدة.

وليست مهمتنا أن نطرد ما لا يشبهنا،

بل أن نصغي دون أن نصدّق كل شيء،

ونختلف دون أن نهدم،

ونسأل ونحن نعلم أننا قد نتيه،

ونترك في داخلنا مساحة لنور يأتي من خارجنا.

فأكثر ما نحتاج إليه في النهاية

ليس نافذة جديدة…

بل قلباً يتسع لما تراه النافذة،

ويظلّ بابه مفتوحاً لمن يدلّه.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img