كتب : راشد البلوشي
الكاتب حسن بن علي البلوشي يكتب قريات كما لو كان يكتب قلبه، فيغدو النص مرآة لمدينة تتقاطع فيها الأزمنة، وتتشابك فيها الحكايات مع تفاصيل العيش اليومي.حين يفتح القارئ صفحات هذا الكتاب، يجد نفسه أمام مدينة تنبض بالذاكرة، مدينة لا تروى فقط بالحجارة والبحر، بل بأصوات الناس، بروائح الأسواق، وبأجنحة الحكايات التي لا تهرم. من سوق قريات القديم حيث مقامات الرزق والناس، إلى عرصة السوق التي كانت مسرحًا للسلع والقصص، ينسج المؤلف صورًا حية عن زمنٍ كان فيه التلفاز حدثًا في دكان صغير، وكانت الحلوى تسافر قبل أصحابها، وكانت الجبنة صباحًا لم يكتمل مذاقه. كل عنوان يفتح نافذة على مشهد، وكل مشهد يضيء زاوية من ذاكرة المكان.
ثم يطل علينا وجه المدينة عبر شخصياته السيد حمد بن سيف البوسعيدي بوقاره، والسيد الجلندي بن ماجد بفجر الثقافة والرياضة، ورجال فرشوا الرزق على الخشب، وأطفال حملوا دهشة الأبجدية الأولى في مدرسة بدأت من خيمة على الرمل. إنها سيرة مدينة تكتب بأسماء ناسها، بأول مستشفى، بأول مكتب بريد، وبأول خطوات التعليم.
ولا يكتفي الكتاب باليومي، بل يلتقط لحظات الفرح والوجع: حرائق الأسواق والأحياء التي دوّت في السبعينيات، أعياد قريات التي جمعت القلوب البيضاء في ساحات النور، ومسرح بيت الجديدة الذي احتضن العيد في نادي قريات عام 1972. هنا، يصبح النص ذاكرة جماعية، حيث يلتقي الحزن بالبهجة، والدمعة بالضحكة.
وفي الصفحات الأخيرة، يفتح المؤلف أبواب التاريخ والجغرافيا: مقبرة البرتغاليين، شريعة حيل الغاف ملتقى القوافل، وبيت العاشرة الذي جمع بين مصيف القيظ ودفء الشتاء. إنها عناوين تتجاوز حدود المكان لتصبح رموزًا للعبور، للذاكرة، وللأثر الذي يتركه الإنسان في الأرض.
هكذا، لا يُقرأ الكتاب كفهرس لعناوين، بل كرحلة أدبية في قلب مدينة، رحلة تجعل القارئ يتلمس أصوات السوق، رائحة القهوة، ظل الغافة، وملح البحر الذي لا ينسى جهاته.
وُلد حسن بن علي البلوشي في قريات، حيث تنفّس أولى خفقات القلب بين أزقتها الضيقة، ولعب على ملاعبها، وترعرع في مدارسها حتى أكمل دراسته الثانوية في مدرسة جابر بن زيد بالوطية. ومن هناك حمل شغفه بالمعرفة إلى المغرب، حيث تابع دراسته الجامعية، قبل أن يعود ليخوض معترك الحياة العملية ويخدم الوطن من خلال إحدى المؤسسات الحكومية.
لكن الغربة لم تُطفئ جذوة الانتماء، ولم تُنسه ولايته التي ظلّت تسكن قلبه. ظل يحمل قريات في وجدانه، حتى أخرج من قلبه هذا الكتاب، ليكون بمثابة البوح الأول، وخفقته الأولى التي تعيد رسم ملامح المكان، وتوثّق ذاكرة الناس، وتحوّل التجربة الشخصية إلى نص جماعي يخلّد مدينةً بكاملها.




