هناك من يعتبرون العدل انحيازًا، وكلمة الحق تطرفًا، والموقف الشريف إرهاباً؛ وهذه الصفات الأصيلة تجدها، بفضل الله، حاضرة في الموقف العُماني بكل وضوح.
عُمان رفضت فرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز، ورفضت الحرب على إيران، وحذرت من تبعاتها، كما تمسكت بعدم تحويل أراضيها وأجوائها ومرافقها إلى منصة لأي عمل عسكري ضدها، وحافظت على قرارها السيادي بعيدًا عن سياسة المحاور، وفتحت مياهها وموانئها أمام حركة السفن ودول المنطقة، حرصًا على استمرار الملاحة وتدفق النفط.
وفي فلسطين، رفضت الاعتداء على الفلسطينيين، ورفضت التطبيع، وتمسكت بالحق الفلسطيني، ولم تتردد في الحديث عن القضية بوضوح منذ أحداث 7 أكتوبر، بعيدًا عن ازدواجية المعايير.
ولم يكن هذا الموقف وليد ظرف عابر؛ فعُمان حافظت على استقلال قرارها، ولم تسمح للخلافات السياسية بأن تتحول إلى قطيعة مع الشعوب، ولا جعلت مصالحها الاقتصادية سببًا للتنازل عن مبادئها. ولهذا ظلت أبوابها مفتوحة أمام الجميع، وتعاملت مع الأزمات بمنطق الحوار والتهدئة، بدل التصعيد والانقسام.
أما الحادثة الأخيرة، فقد فتحت بابًا واسعًا من التساؤلات حول الرواية المتداولة؛ من كيفية وصول مساعد طيار عُماني إلى رحلة متجهة إلى إسرائيل، رغم ما أُثير عن قيود تتعلق بجنسيات طواقم الرحلات، إلى ما نُشر عن سجله المهني وحساباته السابقة، وكيف تمكن من الوصول إلى قمرة القيادة أصلًا. كما طُرحت أسئلة أخرى حول إجراءات الفحص الأمني الإسرائيلية، ودور أجهزتها المختلفة في التحقق من هوية أفراد الطاقم قبل السماح لهم بالعمل على هذه الرحلات.
وهنا تحديدًا يجب أن يترك التحقيق كلمته الأخيرة؛ فلا يصح أن تتحول حادثة ما زالت دوافعها قيد التحقيق إلى مادة جاهزة لتشويه عُمان أو تحميلها مسؤولية فعل فردي. فالدوافع والملابسات تحتاج إلى أدلة وتحقيق واضح، لا إلى روايات متداولة أو استنتاجات مسبقة.
هذه هي عُمان: موقف شريف ونزيه، وقرار مستقل، وسياسة لا تبحث عن التصفيق بقدر ما تبحث عن السلام والاستقرار وحماية المصالح.
فمن أراد أن يختلف مع عُمان فليختلف، لكن لا يشوّه موقفًا أثبتت الأيام أن وراءه دولة تقرأ الحاضر وتحسب حساب المستقبل.
المواقف العظيمة لا تحتاج إلى ضجيج… يكفيها ثباتها.
بقلم : محسن المهري
ولاية المزيونة المزدهرة
3 أكتوبر 2026


