بقلم 🖊️: سليمة الغيلاني
حين يضعك الله في مكان ليس مكانك، وبيئة ليست بيئتك…
هكذا أنا أحيانًا، أخرج من شعثاء أفكاري المتزاحمة من كل الجوانب سواء أتوقعها أو لا أتوقعها، متعجبة: كيف صرت موظفة في مديرية الإسكان؟ تلك المديرية المادية البحتة، بل وأي قسم؟ قسم المالية، ذلك القسم المادي البحت، زيادة وفوق الزيادة زيادة…
فسبحان الله، أجد نفسي بين أرقام، كل الشاشة امتلئت أرقام وأموال…
وأنا عاشقة للحرف، والمفارقة اني لا أعرف في عملي إلا الأرقام التي تأتيني من ارتباط ومبالغ وتاريخ وقياس أعمال، ووو… أرقام لا تنتهي أبدًا.
وما إن أتناول استراحتي حتى أتلقف الحروف شجنًا وشوقًا، و حلمًا سرمديًا…
هنا تأتي المفارقة، فقد آمنت بالله…
فلولا الفصل وتغيير الصفحة بين حين وآخر، لطعنتني الحروف في مقتل عشقي لها، ولسحبتني في محيطها حتى أموت بابتسامة الوله ما زالت في وجهي…
هنا أصنّف مكاني بأنه رحمة من الله؛ حيث أسكنني في مكان معاكس تمامًا، حتى يتزن تفكيري وعاطفتي معًا.
ومع ذلك تجدني سارحة في مخلوقات الله، هائمة أحيانًا بقرارات بوهيمية يفرضها عليّ عقل العاشق للحروف، الهائم في محيطه، وإن ذلك أذهب اتزاني وعقلي…
فترجع الأم التي فُطرت عليها: ارجعي إلى الواقع، حتى لا تلتهمك الأحلام البوهيمية التي صُوّرت في القرآن كالشعراء:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾
هكذا الأدباء والشعراء والفنانون، وكل من اتخذ من مشاعره أسلوب حياة، يهيمون من وادٍ إلى وادٍ، ولا يرجعهم إلا ارتطامهم بالواقع، حتى يتذكروا أنهم في دنيا المادة، وهي أقوى من كل شيء…
ولكن لمن تصححين المسار، لمن صنع نفسه منذ نعومة أظفاره في أحلام اليقظة؟
نعم، أحلام اليقظة التي أُخرج نفسي دائمًا منها، لأذكّرها: إنك تدوسين على أرض الدنيا، التي تلتهم من هم أمثالك في حلم من أحلامك التي تمر عليك…
ليس كل من يبرق ذهبًا، وليس كل كلمة ممن حولك صادقة ومخلصة.
أنت تؤمنين بالكلمة، وتستخدمينها لتشغيل وشحذ العقول، لكن من هم حولك يستخدمونها للوصول إلى مآربهم، وسبلهم، وطريق نجاتهم هم…
أحلام اليقظة خطيرة جدًا؛ فهي تجعلك بين عالمين، لا ترين، ولا أحد يشعر بمأساتك، فقط وحدك…
فارجعي كما خلقك الله، لا ترهقي نفسك بين وبين، وذكّريها بين الحين والحين أنك تعيشين في أرض المادة، واتركي لخيالك بعد ذلك أن يطير…
فكانت المفارقة حكمة من الله لي، حين وجدت نفسي في هذا المحيط ومع ذلك لم أغرق.


