حمود بن علي الطوقي
في أي زيارة دولة يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- تكون لدينا كصحفيين مادة دسمة للكتابة والقراءة والتحليل؛ فكل زيارة تفتح أمامنا ملفات تستحق التأمل، وتدفعنا إلى البحث فيما تحمله من فرص، وما تضيفه إلى مسيرة التنمية. ومن هذه الزاوية، أقرأ زيارة جلالته إلى كازاخستان، باعتبارها امتدادًا لحراك عُماني يضع التعاون الاقتصادي واكتشاف الفرص في مقدمة أولوياته.
وعندما اختارت مسقط أن تحمل حضورها إلى كازاخستان عبر مشروع «برج مسقط»، بدا لي أنَّها أرادت أن تجاور برج «بايتيريك» في رمزيته وطموحه؛ فإذا كان ذلك المعلم الكازاخستاني يجسّد شجرة الحياة والتطلع إلى المستقبل، فإنَّ المشروع الذي يحمل اسم العاصمة العُمانية يَعِدُ بأن يكون عنوانًا لشراكة تنمو وتثمر. وفي هذا الجوار المعنوي تلتقي إرادة البلدين في البناء، وتحويل الصداقة إلى مصالح مشتركة.
والمتتبع لأبرز زيارات جلالته منذ عام 2021 يلمس اتساع هذا التوجه؛ فمن السعودية وقطر إلى البحرين، ثم الإمارات والكويت، ظل المحيط الخليجي حاضرًا بروابطه الأخوية وإمكاناته الاقتصادية، فيما عززت زيارتا مصر والأردن التواصل مع الأشقاء وفتحتا مجالات أوسع للتعاون والتشاور.
وامتد الحراك إلى الهند وسنغافورة وألمانيا وتركيا وبلجيكا وهولندا وروسيا، ثم بوتسوانا وأنجولا، وصولًا إلى كازاخستان. وأقرأ في تنوع هذه الوجهات حرصًا على توسيع الخيارات الاقتصادية والاستفادة من تجارب وأسواق متعددة؛ فلكل شريك إمكاناته، ولكل وجهة فرص يمكن أن تتكامل مع احتياجات عُمان وطموحاتها.
وفي كازاخستان، تعكس الاتفاقيات ومذكرات التفاهم ملامح هذه الرؤية؛ فالتشجيع والحماية المتبادلة للاستثمار، وتأسيس صندوق استثماري مشترك، يوفران أساسًا لبناء شراكات تتوافر لها الثقة والتمويل. كما يفتح التعاون المالي والتوجه إلى الانضمام لعضوية بنك التنمية الأوراسي وفتح مكتب له في السلطنة آفاقًا للتواصل مع اقتصادات المنطقة ومؤسساتها.
وفي قلب هذه التوجهات يأتي مشروع «برج مسقط»، بوصفه مركزًا للأعمال يمكن أن يمنح الحضور العُماني عنوانًا واضحًا في العاصمة الكازاخستانية؛ تلتقي فيه المصالح، وتُعرض الفرص، وتُبنى الشراكات. وتتضاعف أهميته مع إنشاء مجلس الأعمال العُماني الكازاخستاني والتعاون بين غرف التجارة، بما يهيئ قنوات عملية للتواصل بين المستثمرين والمؤسسات في البلدين.
وتتسع الشراكة لتشمل النفط والغاز والطاقة المتجددة، فيما تستوقفني مذكرة التعاون لإنشاء مركز عُمان- كازاخستان للذكاء الاصطناعي في الاستكشاف التعديني؛ لما تحمله من توجه يربط الثروات الطبيعية بالمعرفة والتقنية. وما نطمح إليه أن يثمر هذا التعاون نقلًا للخبرات وتأهيلًا للكفاءات الوطنية، وأن يعزز قدرتنا على استثمار مواردنا بكفاءة.
كما يمنح التعاون في السياحة والنقل الجوي والصحة والإدارة والثقافة والشباب العلاقة أبعادًا تتصل بالإنسان والمؤسسة معًا. فالشراكات المستدامة تحتاج إلى تواصل بين المجتمعات، وتبادل للمعرفة، ومؤسسات قادرة على تحويل التفاهمات إلى برامج عمل.
وبعد توقيع الاتفاقيات، تبدأ مسؤولية التنفيذ والمتابعة؛ فإن جلالته يفتح آفاق التعاون ويمنحها الزخم والثقة، وعلى الجهات المعنية والقطاع الخاص ترجمة ذلك إلى مشروعات منتجة، وأسواق للصادرات، وفرص نوعية للشباب والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وتتواصل مسؤوليتنا كصحفيين في متابعة هذه النتائج وتقريب أثرها من المواطن.
وأخيرًا.. بين «بايتيريك» الشاهد على طموح كازاخستان، و«برج مسقط» المأمول عنوانًا لحضور عُماني متجدد، تتشكل صورة لشراكة تتطلع إلى الغد. وعُمان، بقيادة جلالة السلطان المفدى- أيده الله- تمضي إلى الفرص بإرادة وثقة، حاملة اسمها وخبرتها وطموح أبنائها؛ لتجعل من جسور الصداقة مسارات للنمو والازدهار.


