ليست العروبة في اسمٍ يُرفع، ولا في نسبٍ يُذكر، ولا في لسانٍ عربيٍّ يجري على الشفاه، ولا في رايةٍ تُرفع حينًا وتُطوى حينًا آخر؛ فالعروبة، في معناها الأرفع، ليست امتيازًا عرقيًا ولا مفاضلةً بين البشر، وإنما هي منظومة من القيم تشكلت عبر قرون طويلة في وجدان العربي: المروءة، والنجدة، والكرم، والوفاء، وإجارة المستجير، وإغاثة الملهوف، وصيانة الجار، وحفظ العهد، ورفض الضيم.
وحين نتحدث عن العروبة، فإننا لا نضعها في مواجهة الإسلام، ولا نجعلها ميزانًا فوق الرسالات السماوية، ولا ننتقص بها من شأن أحد من الأمم أو الأديان؛ فالإسلام جاء متممًا لمكارم الأخلاق، والرسالات السماوية في جوهرها دعوة إلى الحق والعدل والرحمة.
إنما نتحدث عن العربي بوصفه شخصيةً حضارية وأخلاقية، وعن تلك القيم التي كانت تُعرف بها العرب، قبل الإسلام وبعده، ثم نسأل السؤال الذي لا ينبغي أن يخشاه أحد:
أين ذهبت تلك الموازين حين احتاجت إليها الأمة أكثر من أي وقت مضى؟
في الجاهلية نفسها، التي كثيرًا ما تختزل في صورة الوثنية والحروب والعصبية، كان هناك وجه آخر شديد الدلالة في الشخصية العربية؛ وجهٌ لم يكن الإسلام غريبًا عنه حين جاء، بل جاء ليهذب بعضه، ويصحح بعضه، ويقيم ميزانه، ويُبقي من مكارم الأخلاق ما يوافق الحق.
كان العربي يرى في الوفاء دينًا اجتماعيًا، وفي الكرم شرفًا، وفي حماية المستجير عارًا إن أُهدرت، وفي الجوار حرمة لا يجوز العبث بها.
ولذلك قال عنترة:
«وأغضُّ طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها»
ليس البيت مجرد شعر في العفة، بل صورة عن مفهوم كان يرى في الجار حرمة، وفي القوة مسؤولية، وفي القدرة على الفعل قدرةً على الامتناع أيضًا.
وقال زهير بن أبي سلمى في معنى الوفاء وإصلاح ذات البين:
«تداركتما عبسًا وذبيان بعدما
تفانوا ودقّوا بينهم عطرَ منشمِ»
فالشاعر هنا لا يحتفي بالحرب، وإنما يمدح من استطاع أن يطفئها بعد أن كادت تأكل القبيلتين.
وكان حاتم الطائي مضربًا للمثل في الكرم، حتى صار اسمه رمزًا له، ولم يكن الكرم عند العربي الأول مجرد بذخ؛ كان إعلانًا عن أن المال إذا لم يصنع للإنسان قدرًا في نفوس الناس فلا قيمة له.
أما الشجاعة فلم تكن في مفهومها العربي الرفيع مجرد قدرة على الغلبة؛ بل كانت مقرونة بحماية الضعيف، ونصرة المستجير، واحتمال تبعات القرار.
وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات إثارة للتأمل:
لقد كانت القبيلة تستطيع أن تحشد رجالها للحرب في ساعات، لكنها كانت تستطيع كذلك أن تحشدهم لحماية رجلٍ واحد دخل في جوارها.
تلك هي المروءة حين تتحول من كلمة إلى نظام أخلاقي.
ثم جاء الإسلام، فلم يمحُ الشخصية العربية، وإنما أعاد ترتيبها داخل ميزان أوسع.
لم يعد الشرف في القوة وحدها، وإنما في التقوى والعدل.
ولم يعد النسب كافيًا لصناعة القيمة.
ولم تعد العصبية القبلية قادرة على أن تكون فوق الحق.
فقال القرآن الكريم:
«﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾»
وهنا لم تعد العروبة نقيضًا للإسلام، كما لم يعد الإسلام نفيًا للعروبة؛ وإنما أصبح العربي، في الحضارة الإسلامية، جزءًا من فضاء إنساني أوسع، تكون فيه الهوية معرفةً وانتماءً، لا ذريعةً للظلم أو الاستعلاء.
ومن هنا يمكن فهم العروبة على نحو أكثر رقيًا:
أن تكون عربيًا يعني أن تحمل إرثًا أخلاقيًا، لا أن تحمل امتيازًا على الآخرين.
ولذلك كان التاريخ العربي الإسلامي مليئًا بنماذج لم تجعل القوة نقيضًا للرحمة، ولا السياسة نقيضًا للمروءة.
وفي صدر الإسلام، وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمام فكرة السلطة بوصفها أمانة ومسؤولية، لا غنيمة.
وفي عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، نجد في رسالته الشهيرة إلى مالك الأشتر معنى إنسانيًا يتجاوز حدود القبيلة والدين حين يقول:
««الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق».»
هذه العبارة وحدها تكفي لتعيد تعريف معنى العروبة في عصرنا؛ فالعربي الذي يعتز بعروبته لا يحتاج إلى الانتقاص من غير العربي حتى يثبت عربيته، كما أن المسلم لا يحتاج إلى إهانة غير المسلم حتى يثبت إسلامه.
القيمة التي تحتاج إلى خصم كي تثبت نفسها قيمة ناقصة.
لقد امتدت الحضارة العربية الإسلامية قرونًا، وكان العربي فيها شاعرًا وفيلسوفًا وفقيهًا وطبيبًا ومترجمًا ومهندسًا وتاجرًا وقائدًا؛ وكان فضاء الحضارة يتسع للعرب وغير العرب، وللمسلمين وغير المسلمين، لأن الحضارة العظيمة لا تُبنى بإقصاء الإنسان، وإنما بإطلاق طاقته.
ومن هنا فإن السؤال اليوم ليس: هل ما زلنا عربًا؟
فالأسماء عربية، واللغات عربية، والخرائط تحمل أسماء عربية، والأنساب محفوظة، والشعارات كثيرة.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا:
هل بقيت فينا أخلاق العربي التي كنا نتغنى بها؟
أين الوفاء حين يصبح الأخ أخًا بالاسم فقط؟
أين نجدة الملهوف حين يُترك الإنسان لمصيره لأن القضية لا تدخل في حسابات المصالح؟
أين الجوار حين تصبح الجغرافيا أقوى من روابط الدم والتاريخ؟
أين إغاثة المظلوم حين تُقاس المواقف بميزان الربح والخسارة؟
وأين الكرامة العربية حين يستطيع بعضنا أن يرى ألم أخيه ثم يواصل حياته وكأن شيئًا لم يحدث؟
ليست القضية أن نطالب بعاطفة عابرة.
العاطفة وحدها لا تبني أمة.
إنما القضية أن نستعيد الميزان الأخلاقي.
فالعربي القديم، مهما اختلفنا مع عصره ومفاهيمه، كان يعرف أن هناك أشياء لا تُشترى.
كان يعرف أن الجار ليس سلعة.
وأن العهد ليس ورقة.
وأن الضيف ليس عبئًا.
وأن المستجير لا يُخذل.
وأن الكلمة مسؤولية.
وأن العار ليس في الفقر، وإنما في أن يملك الإنسان القدرة على النجدة ثم يمتنع عنها بلا عذر.
أما اليوم، فقد دخلت على العلاقات العربية حسابات شديدة التعقيد: السياسة، والاقتصاد، والتحالفات، والمصالح، وتوازنات القوى، والحدود، والإعلام، والاصطفافات.
وكلها حقائق لا يمكن تجاهلها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحقائق من أدوات لإدارة المصالح إلى مبررات لإسقاط القيم.
فالسياسة قد تفرض الحساب، لكنها لا ينبغي أن تلغي الضمير.
والمصلحة قد تحدد طريقة الموقف، لكنها لا ينبغي أن تحدد قيمة الإنسان.
والاختلاف بين الدول لا ينبغي أن يحول الشعوب إلى غرباء عن بعضها.
ولعل أخطر ما أصاب مفهوم العروبة المعاصرة أنها أصبحت في بعض الأحيان لغة خطاب أكثر منها سلوكًا.
نتحدث عن الوحدة، ولا نمارس أخلاق الوحدة.
نتحدث عن الأخوة، ثم نختلف عند أول امتحان.
نتغنى بالمروءة، ثم نبحث عن الاستثناءات عندما يحين وقت دفع ثمنها.
نستحضر تاريخ الأجداد في الاحتفالات، ثم ننسى أخلاقهم عندما تصبح الأخلاق مكلفة.
وهنا يصبح التراث شاهدًا علينا بدل أن يكون شاهدًا لنا.
فما قيمة أن نذكر عنترة ولا نعرف شيئًا عن صيانة الجار؟
وما قيمة أن نتغنى بحاتم ولا نعرف معنى البذل؟
وما قيمة أن نذكر زهيرًا إذا كنا لا نرى في إصلاح ذات البين إلا ضعفًا؟
وما قيمة أن نفتخر بأجدادنا إذا كانت أخلاقهم أعلى من سلوكنا؟
التراث ليس متحفًا نزوره، بل امتحانًا نقيس به مقدار ما بقي منا.
وهذا لا يعني أن نعود إلى الجاهلية، بل أن نأخذ منها ما كان فيها من مكارم، كما جاء الإسلام فهذبها وأقامها على ميزان أعدل وأشمل.
فالكرم العربي حين يلتقي بالإسلام يصبح إيثارًا.
والشجاعة حين يضبطها الدين تصبح نصرة للحق.
والنخوة حين تتحرر من العصبية تصبح نجدة للمظلوم.
والعصبية حين تهذب تتحول من «أنا وقومي» إلى مسؤولية عن الجماعة والمجتمع.
وهنا تتجلى عبقرية الحضارة الإسلامية: لم تطلب من الإنسان أن يخلع جذوره، بل طلبت منه أن يضعها في أرض أوسع من القبيلة.
ولهذا فإن العروبة التي تستحق أن تعيش ليست عروبة الدم في مواجهة الآخرين، وإنما عروبة اللغة والثقافة والتاريخ والمروءة والإنسانية.
عروبة لا تقول للآخر: أنا أفضل منك.
بل تقول: هذه هويتي، وهذا إرثي، وهذه أخلاقي، ثم تحترم إنسانيتك كما أطلب منك احترام إنسانيتي.
وفي عالم تتراجع فيه المسافات الجغرافية، وتزداد فيه المسافات النفسية، ربما نحن أحوج ما نكون إلى إعادة اكتشاف مفهوم عربي قديم جدًا وحديث جدًا في الوقت نفسه:
المروءة.
فالمروءة ليست أن تكون قويًا عندما لا يستطيع الآخر الرد عليك.
المروءة أن تعرف متى تستخدم قوتك ومتى تكبحها.
وليست أن تنتصر في كل خصومة.
بل أن تعرف أن بعض الانتصارات خسارة للإنسان نفسه.
وليست أن تملك القدرة على الأخذ.
بل أن تملك القدرة على العفو.
وليست أن تقف مع أخيك لأنه أخوك فقط.
بل أن تقف مع الحق، ثم لا تخذل أخاك حين يكون الحق معه.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل العروبة في الميزان.
فإذا كان العربي يعتز بالعروبة، فليكن أول امتحان لعروبته في العدل.
وإذا اعتز بقبيلته، فليكن أول امتحان لقبيلته في المروءة.
وإذا اعتز بدينه، فليكن أول امتحان لتدينه في الرحمة والعدل وحفظ الحقوق.
وإذا اعتز بتاريخه، فليكن أول امتحان لتاريخه في قدرته على إنتاج حاضر يليق به.
إن الأمم لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تفعله عندما توضع أمام الاختبار.
والعروبة اليوم أمام اختبارات كثيرة؛ في الداخل، وفي الجوار، وفي علاقتها بأبنائها، وفي موقفها من الإنسان العربي حين يكون ضعيفًا أو محتاجًا أو مختلفًا أو مظلومًا.
وهنا ينبغي أن نستعيد شيئًا من ذلك العربي القديم الذي كان يرى أن الكلمة شرف، وأن العهد قيد، وأن الجار حرمة، وأن الضيف أمانة، وأن المستجير لا يُسلّم، وأن المروءة لا تحتاج إلى كاميرا كي تُثبت وجودها.
فالعروبة التي نحتاجها اليوم ليست عروبة الشعارات العالية، وإنما عروبة السلوك الهادئ.
عروبة الرجل الذي يفي بوعده ولو لم يطالبه أحد.
عروبة الذي ينصف خصمه.
عروبة الذي لا يبيع صديقه عند أول منعطف.
عروبة الذي يرى في اختلاف العربي معه خلافًا لا عداوة.
عروبة الذي يعرف أن أخاه في الوطن ليس خصمًا لمجرد أنه يختلف معه.
وعروبة الذي يستطيع أن يقول: هذا حق، ولو كان على أخي، وهذا باطل، ولو كان من أخي.
عندها فقط تستقيم الموازين.
وعندها يصبح العربي جديرًا بذلك الإرث الطويل الذي تركه الأجداد.
فالهوية التي لا تُنتج أخلاقًا تتحول إلى قشرة، والتاريخ الذي لا يصنع حاضرًا يصبح مجرد حكاية، والمجد الذي لا يحمي الإنسان في لحظة ضعفه ليس إلا ذكرى جميلة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه اليوم ليس أن نقول:
نحن العرب.
بل أن يستطيع العالم أن يقول عنا:
هؤلاء عرب؛ إذا عاهدوا وفوا، وإذا قدروا عفوا، وإذا رأوا مظلومًا أنصفوه، وإذا اختلفوا لم يسقطوا المروءة، وإذا امتلكوا القوة لم يفقدوا الرحمة.
تلك هي العروبة التي تستحق أن توضع في الميزان.
لا عروبة الدم في مواجهة الإنسان، ولا عروبة الشعار في مواجهة الحقيقة؛ وإنما عروبة القيم، وعروبة المروءة، وعروبة الكرامة، وعروبة الوفاء.
وعندها لا تكون العروبة جدارًا يفصلنا عن الآخرين، بل نافذةً نطل منها على العالم ونحن نعرف من نحن.
فالأمم لا تحفظ هويتها بكثرة الحديث عنها، وإنما حين تجعل أخلاقها اليومية شاهدًا عليها.
وحينئذٍ فقط… تستقيم العروبة في الميزان.
حاتم الكثيري


