عالم صاخب وعالم هادئ

نشرت :

بقلم : لولوة القلهاتي

في عالم مهووس بالصخب والصاخبين، عالم يعيش داخل فقاعة يملؤها الضجيج. عالم يُعلي من شأن صُنّاع الضجيج، يأتي الهدوء ليكون إستثناءً باذخاً فيه شيء غير عادي، وغير قليل من الرفاه الذي يدلل الحواس ويُرَفِّه الشعور، والذي يحتاجه الإنسان لينمو على فطرته الإنسانية السليمة، وتكبر المعاني في نفسه وتتعملق القيم الفُضلى في قلبه.
الهدوء وانعدام الضجيج وصف للحياة في الجنة بالمناسبة: (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيما). فمن أراد شيئاً من حياة أهل الجنة في الدنيا فعليه أن يبتعد عن الضوضاء واللغو والمواضيع التي لا تضيف له شيء، ولا تزيد في تزكية نفسه ورفع مستواه العلمي والفكري والذهني، وعليه أن يبعد نفسه عن تلك النقاشات التي لا طائل من ورائها سوى مضيعة الوقت وإيغار الصدور بالتافه من الأمور، وأن يتجنب كثرة الخُلطة التي بلا فائدة ترجى، وأن يهتم بنفسه وعقله وقلبه وحواسه ومشاعره، وينشر عليها مظلة حمائية ووقائية؛ بأن يعيش في هدوء تام منظماً وقته وحياته بما يتوافق مع مهامه اليومية وشواغله دون إفراط ولا تفريط.
وحين تذكر سيرة الهدوء والهادئين، فإننا لا بد وأن نذكر ببحر العشق والعاشقين، وحوزة الفكر الرصين وروضة الطمأنينة والآمنين، وجنة الوفاق الضنين. فنحن في سيرة عُمان ذلك النهر العميق العظيم القديم الجاري بهدوء وسلاسة. هدوء عمان وصمتها، ذلك الصمت المهيب المعادل للضجيج الرهيب. مثلها كمثل النهر العميق العظيم، الذي يستقبل الأحجار التي يقذفها بعض الصبية على سطحه فيغرقها في جوفه بهدوء وصمت، وصبر طويل جميل. وبينما الحجر يغوص غرقاً باتجاه القاع يستمر النهر في جريانه وكأن شيئاً لم يحدث. ولو قذف ذات الحجر داخل إناء فارغ فإنه سيُحدث جلجلة وصلصلة عظيمة، لكنه صوتٌ دون معنى. وسيبقى الحجر داخل الإناء يتحرك بحرية نظراً لأنه محاط بالفراغ، فكلما إمتدت يدٌ صوب الإناء وحركته؛ أصدر الحجر الذي يقبع في جوفه صوتاً وجلجلة عالية، يُذَكِّر بالقاذف والمقذوف ويشعر الإناء بفراغه ولا معناه، وبالصوت النشاز ولا جدواه.
لا يأتي الضجيج بخير أبداً. كثرة الضجيج تصم الآذان وتفقد الإنسان حاسة السمع. إن الهدوء لا يكون في مكان إلا زانه وزاده جمالاً وأضفى عليه هالة من السكون وجعله مستراحاً مفضلاً للنفوس التوّاقة للتسامي الراغبة في التأمل والتفكر وإيجاد الحلول.
وحين يجتمع الصمت والهدوء والتاريخ الطويل والكفاح النبيل، مع المكان المنعزل المكسو بالجمال والمكلل بالمهابة والجلال ؛ فإن الحكمة والرصانة والرزانة والهدوء والوقار هي حاصل هذا الجمع فينتج من هذه الصفات والمواصفات، مجتمعاً لا يشعر بأنه طارئ على الوجود، ولا أن وجوده مهدد تحت أي ظرف وجودي كان، وإنما يكون مجتمعاً راسخاً أصله ثابت وفرعه في السماء، يؤدي واجباته ومسؤولياته ويؤتي أكله كل حين بإذن ربه؛ لأن عمران الدنيا فرض يؤجر فاعله والإفساد فيها والعدوان على مخلوقات الله لا يحبه الله (إن الله لا يحب المعتدين). والمشي على الأرض هوناً من صفات عباد الرحمن واقترن اسم الرحمن بالمشي هوناً لأن في هذا النوع من المشي سكينة وأمن وطمأنينة فهم عباد الرحمن وصفتهم الرحمة من صفة ربهم الرحمن. والمشي هنا بمعنى العيش والعمل والتفاعل بمختلف أنواعه على هذه الأرض التي سخرها الله وسخر مواردها للناس.
إن الهدوء والسكون في عالم صاخب محتدم، محكوم بالرغبات التي تتكاثر، والإشتهاء اللامتناهي للجديد. والركض المحموم واللهاث وراء الماديات والشهرة والإنجازات التي لا يبدو أنها تزيد البشر إلا ركضاً ولهاثاً دون وصول إلى غاية نهائية. فكلما تجاوزوا الهدف القديم استجد هدف جديد والعمر يتَصَّرم وهم لا يصلون. إن هذا الهدوء والسكينة الموصوفة في مطلع المقال لهو شيء عزيز وغال وضنين فمن وجده فليعمل على استثماره والهناء به، فما هي إلا سنوات قليلة حتى يصل إلينا ما وصل إلى الذين قبلنا.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img