كيف نخسر علاقاتنا ونحن نظن أننا ندافع عن الحق؟
أحمد الحضرمي
أتذكر قصة صديقين اختلفا ذات يوم على أمر لم يعد أحدهما يذكر تفاصيله بدقة. كلمة قيلت في غير موضعها، ثم صمت، ثم مرّت الأشهر. كان كل منهما يحتفظ برقم الآخر، ويكتب له في خياله رسالة بعد رسالة، ثم يقول لنفسه: «ليبدأ هو».
مرّت السنوات، ثم وصله خبر وفاة صديقه.
يومها لم يعد للخلاف أي معنى، وبقي ما لم يُقل. عاش بعدها طويلًا مع كلمة واحدة: «لو». لو اتصلت، لو سلّمت، لو تركت كبريائي عند الباب. وكان يقول إن أثقل ما في الأمر ليس الخلاف نفسه، بل أنه كان يعرف الطريق إلى الباب طوال تلك السنين.
أعود إلى هذه القصة كلما رأيت خلافًا صغيرًا يكبر. يظن كل طرف أن الزمن سيعمل لمصلحته، وأن الآخر سيهدأ ويراجع نفسه ويأتي يومًا ليعترف. لكن الأيام تمضي ويعتاد كل منهما غياب الآخر، والخلاف لم يُحلّ، فالحياة فقط تواصل سيرها وتحمل في داخلها ما لم يُحسم. فهل كنا ندافع عن حق يستحق كل هذه السنوات، أم عن صورة الإنسان الذي لا يخطئ ولا يعتذر أولًا؟
الخلاف حين يتحول إلى معركة كرامة
الاختلاف طبيعي، والمشكلة تبدأ حين نمنحه معنى يتجاوز موضوعه. نعترض على سلوك فنحكم على النوايا، وننتقل من موقف محدد إلى محاكمة العلاقة كلها. ثم نجمع الأدلة، ونستعيد الكلمات القديمة، ونفسّر كل جديد على ضوئها، حتى نصبح دائمًا صاحب الحق الكامل.
وهنا يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]. كم من علاقة تضررت لأننا عاملنا الظن كأنه حقيقة، ولم نسأل ولم نمنح الآخر فرصة للشرح؟ القرآن لا يطلب منا تجاهل الوقائع، لكنه يحذرنا من بناء مواقفنا على ظنون تظلمه وتظلمنا معه.
والفرق كبير بين أن أقول: «لقد تعمّد إهانتي»، وأن أقول: «شعرت بالإهانة من تصرفه، لكنني لا أعرف على وجه اليقين ما الذي كان يقصده». العبارة الثانية لا تنكر الألم، لكنها تترك نافذة للحقيقة.
ما يعلّمنا إياه الدين وعلم النفس
ربما أخطأ الآخر في حقي، وربما أخطأت في فهمه أو في ردّ فعلي. والاعتراف بأن زاويتي من الحقيقة ناقصة يدل على النضج، لأن النضج أن أعرف أن أحكامي قابلة للمراجعة، لا أن أكون معصومًا منها.
والقرآن لا يقدّم الإنسان كائنًا لا يغضب، بل يوجّهه إلى ما يفعله حين تتعارض مشاعره مع قيمه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. في الآية تدرّج أخلاقي عميق: ضبط الغضب، ثم العفو، ثم الإحسان. فليس كل ما نشعر به ينبغي أن يتحول إلى فعل.
ويفسّر علم النفس جانبًا من هذه الدائرة. الانحياز التأكيدي يجعلنا نلتقط ما يؤيد اعتقادنا ونتجاهل ما يناقضه، واجترار الخلاف يضخّم الغضب ويثبّت رواية واحدة للأحداث. وفي دراسة كلاسيكية عن الغفران في العلاقات الوثيقة، ارتبط التعاطف مع المخطئ باستعداد أكبر للتسامح [١].
المبادرة والإصغاء
قد يشتاق الإنسان إلى من قاطعه، لكنه يرفض المبادرة لأنه يراها اعترافًا بالهزيمة. وقد ينتظر رسالة لا تصل، بينما ينتظر الآخر الرسالة نفسها. فيصبح «لماذا أبدأ أنا؟» أهم من «هل تستحق هذه العلاقة أن أحاول؟».
وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (رواه مسلم، حديث رقم 2560).
الحديث يحرّم الهجر فوق ثلاث، ويجعل المبادِر بالسلام خير الاثنين. وهو لا يسأل من صاحب الحق، بل من يكسر دائرة الإعراض أولًا. وبهذا تتغير صورة القوة: ليست في القدرة على الإعراض وإشعار الآخر بغيابنا، بل في شجاعة كلمة بسيطة رغم الخوف من ألا نجد الجواب الذي نتمناه.
والإصغاء الحقيقي يقتضي أن أضع دفاعاتي جانبًا وأسأل: كيف بدت الحادثة من الجهة الأخرى؟ ما الذي ربما آلمه في سلوكي؟ وفهم وجهة نظره لا يعني تبنّيها. أستطيع أن أقول: «أفهم لماذا شعرت بذلك، وإن لم تكن تلك نيتي»، أو: «أرى الآن أن تصرفي آذاك».
الحدود والزمن
لا يمنحنا الزمن ضمانات. قد يموت إنسان وبيننا وبينه خلاف لم نصلحه، فنقف أمام جمل «لو». ولا يعني هذا أن كل مبادرة كانت ستنقذ العلاقة، لكن ثمة فرقًا بين ألمٍ بذلنا قبله ما نستطيع، وألمٍ سببه فرصةٌ لم نحاول اغتنامها لأن الكبرياء أقنعنا بأن الوقت لا يزال أمامنا.
وفي المقابل، الرغبة في الإصلاح لا تلغي الحدود. التسامح لا يفرض العودة إلى علاقة تؤذينا، والصلح لا يعيد الثقة كاملة في لحظة. وإذا كان الأذى متكررًا، أو كانت العلاقة قائمة على التهديد والاستغلال، فقد تكون المسافة أحكم من القرب. وتحذير الحديث موجّه إلى الهجر بسبب الكبرياء، لا إلى الابتعاد الضروري للحماية. ويستطيع الإنسان أن يتخلى عن الحقد دون أن يسلّم نفسه مجددًا للأذى.
كيف نبدأ؟
في لحظة الغضب قد يكون الأفضل ألا نحسم شيئًا، ونمنح مشاعرنا مساحة تهدأ فيها. لكن هذه المساحة ينبغي ألا تتحول إلى صمت طويل يعطي الظنون وقتًا لتبني قصتها.
ومن المفيد أن أميّز بين الفعل وصاحبه. قد يكون التصرف مؤلمًا دون أن يعني ذلك أن الإنسان كله زائف أو أن سنوات العلاقة لم تكن حقيقية. وأستطيع أن أقول: «ما حدث آلمني، وأريد أن أفهم كيف رأيت الموقف». والاعتذار عن نصيبي من الخطأ لا ينتقص من كرامتي، فهو مسؤولية عن الجزء الذي أملكه من الحكاية، وليس صفقة أنتظر بعدها اعتذارًا مماثلًا.
وهذا ما يقصده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
ولا نحتاج إلى عبارة مثالية. قد تكفي رسالة تقول: «لا أريد أن يظل ما حدث بيننا سببًا للقطيعة. إذا كنت مستعدًا، أود أن نستمع إلى بعضنا بهدوء». هي لا تضمن المصالحة، لكنها تفتح لها بابًا حقيقيًا.
خاتمة: بين الحق والسلام
ليس المطلوب أن نتخلى عن الحق لنحافظ على العلاقات، ولا أن نساوي بين المخطئ والمصيب. المطلوب أن نميّز بين الكرامة التي تحمينا من الإهانة، والكبرياء الذي يمنعنا من الاعتراف بخطئنا، وبين الحزم الذي يضع حدودًا عادلة، والعناد الذي يجعل كل خلاف معركة.
كثيرًا ما أتخيل ذلك الصديق وهو يقف عند الباب الذي لم يطرقه. لم يكن الباب مقفلًا من الداخل، كان فقط ينتظر يدًا. فلو انتهت حياة أحدنا غدًا، هل سأكون راضيًا عن الطريقة التي أدرت بها هذا الخلاف؟
الحياة أقصر من أن نقضي سنواتها ننتظر من يطرق بابًا نستطيع نحن أيضًا أن نطرقه.
الهامش
[١] McCullough, M. E., Worthington, E. L., Jr., & Rachal, K. C. (1997). Interpersonal forgiving in close relationships. Journal of Personality and Social Psychology, 73(2), 321–336.


