ضلكوت: حضن التاريخ، وملاذ العابرين، وقبلة الأوفياء

نشرت :

الأستاذ خالد بن عبدالله بن سعد باوزير

في تلافيف الزمان، وحيث تعانق جبال ظفار الشامخة أمواج بحر العرب العاتية، تقف ضلكوت كشاهد حيّ على سفر الخلود وقصص الكفاح البشري. لم تكن ضلكوت مجرد نقطة على خارطة الجغرافيا، بل كانت البوابة الرؤوم والمنفذ الوحيد الذي عبرت منه طموحات أبناء ظفار نحو الآفاق؛ بحثاً عن السفر والحياة، وركضاً خلف لقمة عيشٍ مغموسة بعرق الجبين خارج حدود الوطن.

حين كانت سنوات المحل تشتد، وتضيق الأرض بما رحبت، كانت مزارع اللوبيا والذرة الموسمية في ضلكوت تنبت غياثاً، وتفتح ذراعيها لتكون المنقذ والملاذ لكثير من البشر الذين توافدوا إليها من كل فجٍّ عميق في ظفار وبواديها. هناك، على تلك الأرض المعطاءة، تجسد كرم أهلها في أبهى صوره؛ رجالٌ اشتُهروا بالجود والعطاء، فلا ينهرون سائلاً، ولا يعبسون في وجه ضيف، بل يتقاسمون كِسرة الخبز وحبة الذرة بوجوهٍ مستبشرة ونفوسٍ عزيزة.

لقد كانت ضلكوت أمّاً حنوناً وراعياً أميناً؛ آوت إلى صدرها الدافئ أسراً وعوائل وأيتاماً جافاهم الوقت، وترك لهيب الشمس الحارق ندوبه على دميم بشرتهم، فوجدوا في ظلالها الأمن والسكينة. فبحرها السيال كان مليئاً بالخيرات التي لا تنضب، وجبالها الحصينة كانت درعاً حامياً للخائفين، والشاردين من قهر العجز، والفقر، وصروف الزمن.

وفي المنعطفات التاريخية الصعبة، وأيام الحرب والشتات وتنازع الجبهات، لم تنحنِ ضلكوت للريح. بل صمدت شامخة في فوهات البنادق وحشرجات المدافع. أرسخ رجالها وقبائلها الأباة أرجلهم على ثراها الطاهر، وقدمت قوافل من الشهداء الأبطال الذين سقطت جماجمهم فداءً للأرض، ودفاعاً عن الهوية المسلمة العربية الظفارية العمانية الأصيلة. ومع بزوغ فجر النهضة، لبّى رجالها نداء القائد الشهم السلطان قابوس بن سعيد (طيب الله ثراه)، فـنفضت ضلكوت عن كاهلها غبار الذل، ونبذت كل الأفكار الإلحادية والشيوعية الدخيلة، متمسكةً بعقيدتها وأصالتها.
واليوم، يحق لضلكوت – كعموم مناطق عمان الغالية – أن تزهو وتتبختر، وأن ترتدي ثوب الفخار وهي تحتفل بنهضتها المتجددة، ومنجزات سلاطينها الأوفياء، ملتفةً حول قيادتها، حارسةً لتاريخها المجيد، ومستشرفةً مستقبلاً مشرقاً يليق بتضحيات ماضيها العظيم.

( خالد باوزير/ ضلكوت)
١٣/١٠/٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img