عُمان والحياد الاستراتيجي: الوساطة لحماية المصالح الوطنية

نشرت :

​بقلم: د. حامد بن شظا المرجان

أستاذ جامعي ومستشار إعلامي سابق

​في ليلة خليجية مثقلة بالتوتر، حين تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز، وتتصاعد المخاوف من اتساع المواجهة الإقليمية، وتبقى حدود اليمن الجنوبية شاهدة على حرب لم تطوِ صفحاتها بعد، تبدو سلطنة عُمان وكأنها تقف عند مفترق طرق بالغ الحساسية: جغرافياً في قلب العاصفة، وسياسياً على مسافة محسوبة من أطرافها. ففي الوقت الذي تتسابق فيه القوى الإقليمية على تثبيت النفوذ وفرض المعادلات، تفضّل مسقط إبقاء الأبواب مفتوحة، والرسائل متبادلة، وقنوات الحوار قائمة حتى مع الخصوم.

​لكن خلف هذه الصورة الهادئة سؤال لا يقل أهمية عن جهود الوساطة نفسها: هل الحياد العُماني رسالة سلام تتجاوز حسابات القوة، أم أنه استراتيجية واقعية لحماية دولة تدرك أن اشتعال محيطها قد يجعلها من أوائل المتأثرين، وأن خسارة موقع الوسيط قد تعني خسارة إحدى أهم أدوات أمنها ونفوذها؟

​لفهم السياسة العُمانية، لا يكفي النظر إليها بوصفها دبلوماسية هادئة أو موقفاً تقليدياً من الصراعات؛ بل ينبغي قراءتها في ضوء التاريخ السياسي للسلطنة، وموقعها الجغرافي الحساس، وتشابك مصالحها مع أمن الخليج والملاحة الدولية، فضلاً عن علاقاتها المتوازنة مع أطراف متخاصمة. فالوساطة بالنسبة إلى مسقط ليست مجرد خدمة تقدمها للآخرين، بل خيار استراتيجي تسعى من خلاله إلى احتواء المخاطر، وحماية استقلال قرارها، والحفاظ على مساحة للمناورة في إقليم لا يحتمل كثيراً من الأخطاء.

​الحياد النشط: سياسة لها جذور تاريخية

​تتبنى سلطنة عُمان، منذ عهد السلطان قابوس بن سعيد واستمراراً في عهد السلطان هيثم بن طارق، سياسة يمكن وصفها بـ«الحياد النشط» أو «الموازنة الاستراتيجية». وتقوم هذه السياسة على تجنّب التدخل العسكري، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الأطراف المتخاصمة، مع تبنّي مواقف سياسية واضحة، ولا سيما تجاه القضية الفلسطينية.

​ويفرض الموقع الجغرافي لعُمان هذا النهج؛ إذ تطل السلطنة على بحر عُمان والخليج، وتشرف على الجانب الجنوبي من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية. كما ترتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار منطقة الخليج وأمن الملاحة البحرية، فضلاً عن أمن حدودها البرية مع اليمن. ومن ثم، فإن سياسة عدم الانحياز لا تعبّر عن غياب المواقف، بل تمثل خياراً استراتيجياً لحماية الأمن الوطني والمصالح الاقتصادية.

​ولم ينشأ هذا النهج مع الأزمات الراهنة، بل يستند إلى تقليد سياسي طويل يقوم على تجنب الانخراط المباشر في المحاور المتصارعة، والاحتفاظ بهامش مستقل في اتخاذ القرار. وقد منح هذا النهج مسقط أداة فعالة لبناء الثقة الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img