حوار: د. إسماعيل جابر

ليست كل الزيارات مجرد مرور عابر؛ فبعض الأماكن تترك فينا انطباعًا يدفعنا إلى العودة إليها، ولكن هذه المرة بأسئلة نريد أن نعرف إجاباتها.
خلال عملي معلمًا للدراسات الاجتماعية في مدرسة الخوارزمي بمحافظة البريمي، حضرت فعالية في مركز ومكتبة ودار حدائق الفكر للثقافة والفنون والنشر. وقد لفت انتباهي ما يقوم به المكان من أنشطة ثقافية تتجاوز حدود المكتبة التقليدية، لتشمل الأطفال والقراءة واللقاءات الحوارية والورش التدريبية والنشر.
ومن تلك المشاهدة جاءت فكرة هذا الحوار مع مديرة المركز، الأستاذة نصراء بنت علي بن محمد المعمرية، للتعرف إلى قصة المشروع الذي بدأت رحلته عام 2017، وكيف تطورت فكرته، وما يواجهه من تحديات، وما يطمح إلى تحقيقه في خدمة الثقافة والمجتمع بمحافظة البريمي .
فكيف تتحول المكتبة من مكان تُعرض فيه الكتب إلى فضاء يلتقي فيه القراء والمبدعون، وتُتاح فيه فرص التعلم والحوار؟ وكيف يمكن لمبادرة ثقافية محلية أن تحافظ على رسالتها وتضمن استمرارها؟.
في هذا الحوار، نتوقف عند تجربة «حدائق الفكر»، ونستمع إلى صاحبتها عن البدايات والرؤية والتحديات والطموحات.
1: بدأت تجربة «حدائق الفكر» عام 2017. كيف نشأت الفكرة، وما الذي دفعكِ إلى إطلاق هذا المشروع الثقافي؟ ولماذا اخترتِ له اسم «حدائق الفكر»؟
بدأت الفكرة عام 2017 بالشراكة مع الأستاذة موزة البادي، انطلاقًا من إيماننا بأهمية القراءة والثقافة في بناء الإنسان وتنمية المجتمع. لم تكن الفكرة مجرد إنشاء مكتبة لبيع الكتب، بل إقامة مساحة ثقافية تتيح للناس فرصة الاقتراب من الكتاب، وتبادل الأفكار، والمشاركة في أنشطة تنمي المعرفة والوعي .
أما اسم «حدائق الفكر»، فيعبر عن رؤيتنا للفكرة؛ فكما تحتاج البذور إلى الرعاية حتى تنمو وتثمر، تحتاج الأفكار إلى بيئة تحتضنها وتساعدها على التطور. ومن هنا جاء طموحنا إلى أن تكون المكتبة حديقة للأفكار، يجد فيها القارئ ما يغذي معرفته، ويجد فيها المبدع مساحة لعرض تجربته، ويجد المجتمع مجالًا للحوار والتعلم
2: لماذا اخترتِ محافظة البريمي لاحتضان المشروع؟ وكيف أسهمت خلفيتكِ التعليمية في تشكيل رؤيته؟
اخترنا البريمي إيمانًا بأهمية وجود مساحة ثقافية تخدم المجتمع المحلي، وتتيح للقراء والمهتمين بالمعرفة الوصول إلى الكتب والأنشطة الثقافية. كما أن خلفيتي التعليمية أسهمت في تشكيل رؤية المشروع؛ لأن التعليم لا يقتصر على ما يتلقاه الطالب داخل الصف، بل يمتد إلى كل بيئة تساعده على التعلم والتفكير واكتساب المهارات
كانت البدايات أيضًا مرحلة للتعريف بالفكرة وبناء الثقة مع المجتمع. وكأي مشروع جديد، احتجنا إلى وقت حتى يصبح ارتياد المكتبة جزءًا من اهتمامات الناس وعاداتهم. وما شجعنا على الاستمرار هو الاهتمام الذي لمسناه من القراء والأسر والمهتمين بالثقافة، إلى جانب المقترحات التي وصلتنا لتطوير الخدمات والأنشطة .
3: بدأت «حدائق الفكر» مكتبةً لبيع الكتب وإعارتها، ثم اتسعت أنشطتها. ما الذي دفعكم إلى هذا التحول؟
بدأنا بالمكتبة وإتاحة الكتب للقراء، بما في ذلك خدمة الإعارة، لكننا أدركنا مع الوقت أن العلاقة بالكتاب يمكن أن تتجاوز وجوده على الرف. فالقراءة تحتاج إلى بيئة تشجع عليها، وإلى أنشطة تجعلها أقرب إلى الحياة اليومية للناس.
لذلك عملنا على تطوير المكان وطريقة الاستفادة منه، وأضفنا جلسات القراءة والمقهى الثقافي، ليجد الزائر مساحة مريحة يستطيع فيها القراءة أو اللقاء بالآخرين وتبادل الأفكار. وكان هدفنا أن تصبح المكتبة مكانًا يقصده الناس للمعرفة والتفاعل، لا لشراء الكتب فقط.
- توسعت أنشطة المركز لتشمل الفعاليات الثقافية والورش التدريبية والنشر والتوزيع. كيف تنظرين إلى هذا التنوع؟
ننظر إلى هذا التنوع بوصفه امتدادًا لرسالة المشروع. فالفعاليات الثقافية تتيح اللقاء بين الكتاب والقراء، والورش التدريبية تفتح المجال للتعلم واكتساب المهارات، أما النشر والتوزيع فيساعدان على وصول الكتاب إلى جمهور أوسع.
كما نحرص على تنظيم أنشطة تناسب فئات مختلفة من المجتمع، من الأطفال والشباب إلى النساء والمهتمين بالشأن الثقافي. ونؤمن بأن المؤسسة الثقافية تستطيع أن تؤدي دورًا أوسع حين تجمع بين القراءة والحوار والتدريب ودعم المبدعين، مع المحافظة على هويتها ورسالتها الأساسية . - العمل الثقافي يحمل رسالة معرفية، لكنه يحتاج أيضًا إلى موارد تضمن استمراره. كيف تحققون التوازن بين الرسالة الثقافية والاستدامة المالية؟
هذا من أهم التحديات التي تواجه المشروعات الثقافية. فالمؤسسة لا تستطيع الاستمرار بالرسالة وحدها ما لم تتوافر لها موارد تساعدها على تغطية التزاماتها وتطوير خدماتها، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول الاعتبارات المالية إلى سبب للتخلي عن أهدافها الثقافية .
نحاول تحقيق التوازن من خلال تنويع مصادر الدخل، عبر بيع الكتب والنشر والتوزيع والورش والأنشطة والخدمات الثقافية، مع إتاحة المجال للقراءة داخل المكتبة، والحرص على أن تكون الكتب في متناول القراء قدر الإمكان. فالمشروع الثقافي يحتاج إلى إدارة واعية وصبر وتخطيط، حتى يستطيع مواصلة رسالته في ظروف متغيرة . - تولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال، ومن ذلك برنامج الخميس. كيف تسهم هذه الأنشطة في بناء علاقة الطفل بالقراءة، خصوصًا في ظل المنافسة مع الأجهزة والمحتوى الرقمي؟
نحرص على أن تكون تجربة الطفل في المكتبة ممتعة وتفاعلية، فلا نكتفي بتقديم الكتاب إليه، بل نعمل على تقريب القراءة من عالمه واهتماماته. ويتضمن برنامج الخميس أنشطة مثل سرد القصص والرسم والألعاب التعليمية والفنون، إلى جانب الحوار حول القصص وشخصياتها، بما يساعد الطفل على التعبير عن أفكاره وتنمية خياله.
ولا ننظر إلى التقنية باعتبارها عدوًا للقراءة، لكننا نؤمن بأهمية توفير بدائل ثقافية جاذبة تمنح الطفل فرصة للتفاعل المباشر مع الكتاب والآخرين.
ومن المؤشرات التي نتابعها رغبة الطفل في العودة إلى الجلسات، ومشاركته في الأنشطة، وقدرته على التعبير عن أفكاره، واهتمامه باختيار القصص والكتب. كما نعد تواصل أولياء الأمور واهتمامهم بالبرامج عنصرًا مهمًا في تطوير التجربة . - تستضيف «حدائق الفكر» كتّابًا وشعراء ومهتمين بالثقافة. كيف تختارون الفعاليات والموضوعات، وما الأثر الذي تأملون أن تتركه هذه اللقاءات في المجتمع؟
نحرص في اختيار الكتب ومحاور النقاش على الجمع بين القيمة الفكرية والتنوع وارتباط الموضوعات باهتمامات المجتمع، مع إبراز الكتّاب والمبدعين العمانيين، وإتاحة الفرصة للأصوات الجديدة إلى جانب أصحاب التجارب الراسخة .
وتتيح اللقاءات الثقافية للكاتب أن يلتقي قراءه، وللجمهور أن يتعرف إلى تجارب وأفكار مختلفة، كما تفتح المجال للنقاش وتبادل الرؤى. ونحن نؤمن بأن أثر العمل الثقافي لا يظهر دائمًا بصورة فورية؛ فقد تكون الفكرة التي يسمعها شخص في فعالية ما بداية لقراءة جديدة أو اهتمام مختلف.
ولا نختزل نجاح «حدائق الفكر» في قصة واحدة؛ فهناك مواقف صغيرة تحمل معاني كبيرة. حين نرى طفلًا يعود إلى المكتبة بشغف، أو قارئًا يبحث عن كتاب جديد، أو كاتبًا يجد فرصة للحديث عن تجربته، نشعر بأن المشروع يؤدي رسالته. فالنجاح الحقيقي بالنسبة إلينا هو أن يتحول الكتاب من منتج على الرف إلى بداية علاقة أو حوار أو فكرة جديدة. - ما أبرز التحديات التي تواجه المشروعات الثقافية خارج العاصمة، وكيف تتعاملون معها؟
تواجه المشروعات الثقافية في المحافظات تحديات متعددة، من بينها محدودية السوق، وارتفاع تكاليف التشغيل والشحن والتوزيع، إلى جانب محدودية فرص التمويل والرعاية والشراكات المستدامة. كما أن المحتوى الرقمي أصبح منافسًا قويًا في استقطاب اهتمام الجمهور ووقته.
ومواجهة هذه التحديات تتطلب تنويع الأنشطة والخدمات، وبناء علاقات مع المجتمع، والبحث عن شراكات تساعد على استمرار العمل. كما نحتاج إلى أن ينظر المجتمع إلى المشروع الثقافي بوصفه مساحة تخدمه وتستثمر في وعيه، لا مجرد نشاط تجاري أو فعالية مؤقتة. - تمثل «حدائق الفكر» تجربة في ريادة الأعمال الثقافية تقودها نساء عمانيات. ما الذي تعلمتِه من هذه التجربة، وما رسالتكِ إلى النساء الراغبات في إطلاق مبادرات ثقافية؟
علمتنا التجربة أن تحويل الفكرة إلى مشروع يحتاج إلى الإيمان بها، والعمل المستمر، والقدرة على التعلم من التحديات وتطوير الأساليب. كما أن الشراكة والعمل الجماعي يساعدان على تجاوز كثير من الصعوبات، خصوصًا في المشروعات التي تجمع بين الرسالة الثقافية والمتطلبات المالية والإدارية.
أما رسالتي إلى النساء الراغبات في إطلاق مبادرات ثقافية، فهي ألا ينتظرن توافر الظروف المثالية للبدء. المهم أن تكون هناك فكرة واضحة، ورؤية واقعية، واستعداد للعمل والتعلم والتكيف مع المتغيرات. فالمشروعات لا تنمو دفعة واحدة، وإنما تتطور بالتجربة والمثابرة وبناء الثقة مع المجتمع. - تحدثتم عن طموحات لتطوير مقر «حدائق الفكر». ما ملامح التوسع الذي تطمحون إليه؟
نفكر في تطوير المكان بما يوفر مساحة أكبر لخدمة القراء والأنشطة الثقافية والتدريبية. ومن الأفكار المطروحة أن يضم المقر أقسامًا متخصصة للكتب والقراءة والبحث، ومساحة مخصصة للأطفال، وقاعات للورش والفعاليات الثقافية، إلى جانب خدمات النشر والطباعة والمقهى .
لكن هذه الطموحات لا تزال في إطار الدراسة والتخطيط، وأي خطوة مستقبلية تحتاج إلى النظر في الإمكانات والاحتياجات والقدرة على التنفيذ. هدفنا أن يكون التطوير استجابة فعلية لمتطلبات المشروع وجمهوره، وأن يساعدنا على تقديم خدمات أفضل دون أن نفقد روح «حدائق الفكر» ورسالتها. - هل تطمحون إلى نقل تجربة «حدائق الفكر» إلى محافظات أخرى؟ وما نوع الدعم الذي تحتاج إليه المشروعات الثقافية لتحقيق ذلك؟
اتسع حضور «حدائق الفكر» بالفعل من خلال أنشطة النشر والتوزيع والمشاركة في معارض الكتب والفعاليات الثقافية، وهو ما أتاح لنا التواصل مع جمهور خارج حدود البريمي. أما افتتاح فروع جديدة، فهو طموح مستقبلي يحتاج إلى الدراسة من حيث الجدوى والإمكانات والشراكات اللازمة، ولا نريد أن نعلن عن خطوات قبل التأكد من قدرتنا على تنفيذها واستدامتها .
أما الدعم الذي تحتاج إليه المشروعات الثقافية، فلا ينبغي أن يقتصر على الرعاية الموسمية أو المساندة المرتبطة بفعالية واحدة، بل من المهم أن يمتد إلى برامج مستمرة تدعم القراءة والنشر والترجمة وتنمية المواهب، وتمنح المبادرات الثقافية في المحافظات فرصًا عادلة للمشاركة والنمو. فاستدامة هذه المشروعات لا تخدم أصحابها وحدهم، وإنما تسهم في توسيع الحراك الثقافي والوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع.
- في ختام هذا الحوار، إذا طُلب منكِ تلخيص رسالة «حدائق الفكر» في عبارة واحدة، فماذا تقولين؟
لم نؤسس حدائق الفكر لنبيع الكتب فحسب، بل لنزرع الأفكار، ونصنع الوعي، ونترك أثرًا يبقى بعدنا.
د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب



