حواره : د. إسماعيل جابر**
29عامًا في مدرسة ابن خلدون.. ووفاء أهل مرباط لا تنساه الذاكرة
ليست كل العلاقات التي تبدأ في المدرسة تنتهي بانتهاء الدراسة، فبعضها يمتد عبر السنوات، وتكشف المواقف الصعبة عن عمقه الحقيقي. وقد يبقى أثر المعلم في نفوس طلابه طويلًا بعد مغادرته المدرسة، حتى يصبح بعضهم أصحاب مهن وتجارب ومسؤوليات، ثم يجدهم إلى جانبه عندما يحتاج إليهم.
هذه المعاني تتجلى في تجربة الأستاذ السوداني فتح الرحمن مصطفى حجازي، الذي قدم إلى سلطنة عُمان عام 1990، وعمل مدرسًا للعلوم والفيزياء في مدرسة ابن خلدون بمرباط، بمحافظة ظفار، حتى تقاعده عام 2019، بعد 29 عامًا قضاها في المدرسة نفسها.
وخلال هذه السنوات، لم تقتصر علاقته بطلابه على الدروس والامتحانات؛ فقد امتدت إلى مواقف إنسانية بقيت في ذاكرته. وعندما تعرض لكسر في رجله، فاحتاج إلى كرسي متحرك، وجد من طلابه من يساعده ويخدمه. وعندما أصيب بمرض استدعى نقله إلى مسقط، تنافس عدد من طلابه السابقين على مرافقته والاهتمام به. ولم تكن زوجته، التي عملت معلمة للغة الإنجليزية في مرباط، بعيدة عن هذه المواقف؛ إذ وجدت إحدى طالباتها إلى جانبها خلال إقامتها في المستشفى .
وبعد اندلاع الحرب في السودان، تجددت هذه العلاقة بصورة أخرى؛ إذ تابع طلابه وأهل مرباط إجراءات عودته إلى عُمان، واستقبله عدد من طلابه في مطار صلالة.
في هذا الحوار مع «اليوم العُمانية»، يستعيد الأستاذ فتح الرحمن حجازي محطات من تجربته التعليمية والإنسانية، ويتحدث عن مرباط التي عرفها قبل عقود، وعن طلاب أصبحوا أطباء ومهندسين وشغلوا مواقع مهمة في الخدمة المدنية، وعن مجتمع لم تنقطع صلته به رغم مرور السنوات، حتى بات يصف مرباط بأنها وطنه الثاني
- قدمت إلى سلطنة عُمان عام 1990، وقضيت فيها سنوات طويلة من حياتك المهنية. كيف بدأت رحلتك، وما الذي قادك إلى مرباط؟
أنا فتح الرحمن مصطفى حجازي، من مواليد مدينة ود مدني بولاية الجزيرة في السودان. تخرجت في كلية التربية، تخصص الفيزياء والكيمياء، وعملت مدرسًا للفيزياء في مدارس مدينتي ود مدني.
قدمت إلى سلطنة عُمان عام 1990، مرافقًا لزوجتي التي سبقتني إلى العمل في مرباط عام 1989، معلمةً للغة الإنجليزية في مدرسة خديجة بنت خويلد . وبعد وصولي، جرى توزيعي على مدرسة ابن خلدون بمرباط، حيث عملت مدرسًا للعلوم والفيزياء.
استمر عملي في مدرسة ابن خلدون حتى عام 2019، حين انتهى تعاقدي مع التربية والتعليم بالتقاعد، بعد 29 عامًا قضيتها في المدرسة نفسها.
وهكذا ارتبطت حياتي المهنية والإنسانية بمرباط ومدرستها وأهلها، وأصبحت هذه المدينة جزءًا أصيلًا من ذاكرتي وحياتي. - كيف كانت مرباط عندما وصلت إليها؟ وما أبرز ما تتذكره عن المدينة والمدرسة في تلك المرحلة؟
كانت مرباط آنذاك مدينة صغيرة، تنقصها كثير من الخدمات المتوافرة اليوم. وأتذكر فرحتنا الكبيرة عندما رُكبت ثلاث ماكينات للهواتف الثابتة؛ فقد كان ذلك حدثًا مهمًا في حياتنا اليومية في تلك الفترة .
وكان في المدينة مركز صحي يضم طبيبًا وطبيبة، وفي مدخلها مكتب الوالي ومركز الشرطة. كما أتذكر الدور الاجتماعي الذي كان يؤديه عدد من شيوخ الولاية في الإصلاح بين الناس. فإذا وقع خلاف بين مواطنين أو وافدين، تدخلوا للصلح بين الطرفين، وقد ينتهي الأمر بشطب الدعوى من محضر الشرطة بعد تسوية الخلاف.
ومن الشخصيات التي أذكرها في هذا السياق الشيخ والمعلم والمربي محمد عبد الله باعمر، رحمه الله .
أما مدرسة ابن خلدون، فكانت تضم الصفوف من الأول الابتدائي حتى الثاني الثانوي، وهو الصف الحادي عشر حاليًا. وكان الطلاب الناجحون في الثاني الثانوي ينتقلون إلى مدرسة السعادة بصلالة لاستكمال المرحلة المؤهلة لامتحان الشهادة الثانوية.
وفي العام التالي لوصولي، تمت الموافقة على أن يكمل الطلاب دراستهم في ابن خلدون ويؤدوا الامتحان في المدرسة نفسها، وذلك بطلب وجهد من مدير المدرسة آنذاك الأستاذ أحمد سالم باعمر، رحمه الله.
كانت تلك مرحلة مهمة في مسيرة المدرسة، وقد عشت تفاصيلها مع زملائي وطلابي، وظلت ذكرياتها حاضرة في ذاكرتي. - ما الذي جعل علاقتك بزملائك في مدرسة ابن خلدون مميزة؟ وهل انعكست هذه الروح على علاقتك بطلابك؟
جئت إلى مرباط وأنا أحمل تصورًا إيجابيًا عن الزمالة، اكتسبته من تجربتي السابقة في مدرسة مدني الثانوية للبنات. فقد كان العاملون فيها أشبه بأسرة واحدة، تجمعهم المحبة والإخلاص في العمل، وأسهم ذلك في تميز المدرسة وتفوقها في ذلك الوقت.
وعندما عملت في ابن خلدون، وجدت روحًا مشابهة؛ فكنا، معلمين وإدارة، نعمل يدًا واحدة، وأصبح زملائي إخوة لي.
وأعتقد أن هذه الروح كان لها أثرها في البيئة المدرسية؛ فالتعليم لا يقوم على تقديم الدروس وحدها، بل يحتاج إلى التعاون والاحترام والعلاقات الطيبة بين العاملين والطلاب. وعندما يشعر المعلم بأنه جزء من أسرة واحدة، تصبح بيئة العمل أكثر انسجامًا، وتكون المدرسة أقدر على أداء رسالتها. - بعد سنوات طويلة من التدريس، ما المواقف التي بقيت في ذاكرتك من طلابك، وشعرت من خلالها أن العلاقة تجاوزت حدود المدرسة؟
يصعب عليّ أن أحدد طالبًا واحدًا بقي في ذاكرتي، لأن كثيرًا من طلابي ينطبق عليهم هذا الوصف. لكن هناك مواقف أعتز بها كثيرًا، وأفضل أن أذكرها من دون أسماء، حتى لا يشعر بقية أبنائي الطلاب بأنني استثنيت أحدًا منهم.
أتذكر أنني تعرضت لكسر في رجلي، وأصبحت أستخدم كرسيًا متحركًا، فكان بعض طلابي يخدمونني ويساعدونني في تلك الفترة.
وذات مرة، سمع أحد الحاضرين تعليقًا باللغة الجبالية يتساءل فيه كيف يكون هذا الرجل أبًا سودانيًا، بينما يبدو ابنه عمانيًا في مظهره ولباسه. فضحك الطالب، ثم ترجم لي ما قيل.
كان الموقف بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل معنى كبيرًا بالنسبة إليّ؛ فقد رأيت فيه كيف يمكن للعلاقة الإنسانية أن تتجاوز اختلاف الجنسية، وأن تصبح علاقة أب بأبنائه.
كما أصبت بمرض استدعى تحويلي إلى مسقط، وهناك تنافس عدد من طلابي الخريجين من أبناء مرباط على الذهاب معي ومرافقتي والاهتمام بي. وكانوا أكثر قلقًا على صحتي، ومنهم من عاد معي من مسقط يوم عرفة وهو صائم، تاركًا أبناءه في ذلك اليوم المميز.
هذه مواقف لا ينساها الإنسان؛ لأنها تكشف له أن ما جمعه بالآخرين لم يكن مجرد سنوات عمل، بل علاقة إنسانية بقيت حية بعد انتهاء الدراسة. - هل اقتصرت مواقف الوفاء على طلابك، أم امتدت إلى أسرتك أيضًا؟
امتدت إلى أسرتي كذلك، ولن أنسى ما قدمته لنا طالبات زوجتي، التي عملت معلمة للغة الإنجليزية في مرباط منذ عام .1989
أتذكر أنه في إحدى المرات مرضت زوجتي ورقدت في المستشفى بصلالة، فأصرت إحدى طالباتها على البقاء معها ومرافقتها لمدة ثلاثة أيام، رغم أن لديها زوجًا وأطفالًا، ورغم وجود زميلات زوجتي السودانيات وأفراد من أهلها.
ظل هذا الموقف حاضرًا في ذاكرتي؛ لأنه يعبر عن علاقة تتجاوز حدود الواجب المدرسي، وتكشف عن مقدار التقدير الذي يمكن أن يبقى في النفوس بعد سنوات من التعليم.
ومهما كتبت عن أهل مرباط، فلن أستطيع أن أحصي أفضالهم علينا. فقد شملت مواقف الوفاء أسرتي أيضًا، ولم تكن العلاقة محصورة في المدرسة أو بين المعلم وطلابه. - أصبح عدد من طلابك السابقين أطباء ومهندسين وشغلوا مواقع مهمة في الخدمة المدنية. ماذا يعني لك أن ترى أبناء المدرسة وقد وصلوا إلى هذه المراحل؟.
الحمد لله، أصبح كثير من طلابي في مواقع مرموقة، فمنهم الأطباء والصيادلة والمهندسون، ومنهم من يعمل في المجالات الطبية ومواقع قيادية في الخدمة المدنية.
وأستحضر هنا تجربة برنامج المسابقات العلمية المعروف باسم «التنمية المعرفية»، الذي كنت مشرفًا عليه، وكان يهتم بمواد العلوم والرياضيات. ومن ضمن أنشطته تنظيم محاضرات يقدمها خريجو المدرسة في مجالات مهنية ترتبط بهذه المواد، بهدف تشجيع الطلاب على الاهتمام بها.
كان تنفيذ هذه الفكرة ميسرًا بالنسبة إليّ؛ لأنني كنت أعرف عددًا من خريجي المدرسة. فتواصلت مع أحد طلابي الذي أصبح مهندسًا زراعيًا، وآخر أصبح طبيبًا، وطلبت منهما تقديم محاضرات للطلاب، وقد استجابا لذلك.
كانت تجربة أعتز بها؛ إذ عاد خريجو المدرسة إليها، ولكن هذه المرة وهم يحملون خبراتهم المهنية ليقدموها إلى الجيل الجديد.
وفي مثل هذه اللحظات، يشعر المعلم بأن العلاقة بالتعليم لا تنتهي عند تخرج الطالب، بل يمكن أن تتجدد حين يعود الطالب ليسهم في تعليم غيره. - هل كنت تتوقع أن تستمر علاقتك بطلابك طوال هذه السنوات، وأن تجدهم إلى جانبك في أوقات المرض والشدة؟
كثير من طلابي لم تنقطع صلتهم بي أصلًا، واستمرت العلاقة بيننا حتى بعد انتهاء سنوات الدراسة والعمل.
لقد عرفتهم طلابًا في المدرسة، ثم تابع بعضنا أخبار بعض، وبقي التواصل قائمًا مع عدد منهم. وربما ظهرت قيمة هذه العلاقة بوضوح أكبر في المواقف الصعبة، عندما احتجت إلى من يقف إلى جانبي، فوجدت أن هؤلاء الطلاب لم ينسوا ما جمعنا.
ولا أرى أن الوفاء يمكن قياسه بموقف واحد؛ فهناك مواقف كثيرة، من الخدمة والمرافقة إلى الاهتمام بالسؤال عن الصحة، وكلها تعبر عن علاقة تراكمت عبر السنين. - بعد اندلاع الحرب في السودان، كيف أسهمت علاقتك بأهل مرباط وطلابك السابقين في عودتك إلى عُمان؟
كان كثير من طلابي على تواصل معي، ولذلك كانوا على معرفة بأحوالي بعد اندلاع الحرب في السودان. وكان أهل مرباط، تقريبًا، على علم بعودتي؛ لأن التواصل بيننا استمر، وكانوا يتابعون إجراءات التأشيرة والسفر وغيرها من الترتيبات اللازمة.
وعندما وصلت إلى سلطنة عُمان، استقبلني في مطار صلالة عدد من طلابي السابقين ممن تمكنوا من الحضور. وكان لهذا الاستقبال أثر كبير في نفسي؛ لأنه عبّر عن استمرار العلاقة بيننا رغم مرور السنوات وتغير الظروف.
وقد أسهم طلابي وأهل مرباط وأسرهم في تيسير عودتنا، وقدموا لنا دعمًا معنويًا وماديًا.
وأحمد الله على كرمه ولطفه، وأسأله أن يجزيهم عنا خير الجزاء. - بعد هذه التجربة، كيف تنظر اليوم إلى السنوات التي قضيتها في مرباط، وإلى ما جمعك بأهلها وطلابك؟
عندما أتأمل هذه الرحلة، أجد أن ما بيني وبين أهل مرباط أكبر من أن يحيط به لقاء مهما تعددت أجزاؤه وطالت مدته. فقد عشت بينهم سنوات طويلة، وعرفت فيهم زملاء وأصدقاء وطلابًا أصبحوا بمنزلة الأبناء.
لقد مررنا بظروف مختلفة، وكانت هناك لحظات احتجنا فيها إلى المساعدة، فوجدنا من يقف معنا. وهذا ما يجعلني أنظر إلى تجربتي في مرباط بوصفها أكثر من سنوات عمل في مدرسة؛ إنها جزء من حياتي وذاكرتي وعلاقاتي الإنسانية.
ولذلك أقول إن الفضل، بعد الله سبحانه وتعالى، في شفائي وعودتي إلى مرباط بعد اندلاع الحرب في السودان يعود إلى أهل مرباط، من طلابي وأسرهم وسائر من وقفوا معنا. وأسأل الله أن يجزيهم عنا خير الجزاء.
. 10. في ختام هذا الحوار، ماذا تمثل لك مرباط اليوم؟ وما الرسالة التي تود توجيهها إلى طلابك السابقين وأهلها؟
مرباط وطني الثاني، وأهلها أهلي وأحبائي. هذه ليست عبارة أقولها للمجاملة، بل تعبير عن علاقة عشتها على مدى سنوات طويلة، ووجدت أثرها في مواقف كثيرة لا يمكنني حصرها.
أحمل لأهل مرباط كل الحب والتقدير، وأدعو الله أن يجزيهم عني وعن أسرتي خير الجزاء. وما قدموه لنا سيظل حاضرًا في ذاكرتنا؛ لأن المواقف الصادقة تبقى مع الإنسان مهما مرت السنوات وتغيرت الظروف.
من وراء المشهد : الأستاذ قتح الرحمن غادر المكان، لكن المكان لم يغادر تلاميذه؛ وعندما عاد في زمن الحرب، ردّ طلابه القدامى جميل السنين
*فتح الرحمن مصطفى حجازي
مدرس العلوم والفيزياء السابق بمدرسة ابن خلدون بمرباط- حوار: د. **إسماعيل جابر … ما وراء المشهد
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب


