سل عن الشاعر تعرف ثقافة المجتمع

نشرت :

في عام 1947، شهدت القاهرة مهرجانًا لتكريم الشاعر اللبناني خليل مطران، المعروف بلقب (شاعر القطرين) وشارك فيه الشاعر العراقي والأديب الكبير عبد الرزاق محيي الدين بقصيدة مطلعها:

سل عن الشاعر أو خذه مثالًا
تُغنِ عن شعبٍ جوابًا وسؤالا

تلتقي الآفاق في أبعاده
وهو دون العين مرأى ومنالا

ضلّت الألباب عن إدراكه
ومضت تخبط رشدًا وضلالا

وتحمل هذه المناسبة دلالة مهمة؛ فتكريم الشعراء والأدباء هو تقدير للكلمة المؤثرة والعطاء الذي يستحق أن يبقى في الذاكرة. فالشعر ليس قوافي تُنظم طلبًا للتصفيق، بل مرآة تعكس ثقافة المجتمع ووعيه وقيمه.

وهنا يبرز السؤال: هل يعكس بعض ما نشهده في ساحاتنا الشعرية ما نطمح إليه من وعي ورقي، أم أن المبالغة في المدح والتفاخر وإثارة العصبيات القبلية باتت تطغى على المعنى والرسالة؟

لا شك أن مدح أهل الفضل وتقدير أصحاب الإنجاز من مكارم الأخلاق، والاعتزاز بالقبيلة جزء من الهوية والتاريخ، لكن الخلل يبدأ حين يتحول المدح إلى تملق، والاعتزاز إلى تعصب، وتصبح القصيدة وسيلة لإرضاء الأشخاص بدلًا من الارتقاء بالذائقة والوعي.

وقد قال زهير بن أبي سلمى:

ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تخفى على الناس تُعلمِ

فالشاعر مسؤول عما تحمله قصائده من معانٍ ورسائل، ونحن بحاجة إلى شعر قوي في لغته، حكيم في معانيه، متوازن في مواقفه؛ يمدح دون مبالغة، ويعتز بالأصل دون تعصب، ويجمع الناس بدلًا من أن يفرّقهم.

إن قيمة الشاعر ليست في كثرة من يمدحهم، ولا في حجم التصفيق الذي يحظى به، بل في صدق كلمته وأثرها في النفوس. وكذلك التكريم، فقيمته في أن يُمنح لمن يستحقه، تقديرًا لعطائه واعترافًا بأثره، لا مجاملةً ولا طلبًا لرضا أحد.

فإذا كان الشاعر مرآة لثقافة مجتمعه، فماذا نريد لهذه المرآة أن تعكس: التملق والعصبية، أم الحكمة والوعي والرقي؟

بقلم: محسن المهري
18 أكتوبر 2026

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img