بقلم: سعيد بن أحمد بن سعيد الزوامري
هنا في هذه الأسطر المتواضعة، وحين يكون الحديث عن ولاية ضلكوت، تقف الكلمات إجلالاً أمام عظمة المكان، وتضيق العبارات عن وصف بقعة استثنائية من أرض ظفار أبدعت الطبيعة في رسم ملامحها، وأضفى التاريخ على ربوعها عبق الأصالة؛ فاجتمع فيها شموخ الجبال، وعذوبة النسيم، ونبل الإنسان. وما هذه السطور إلا محاولة للوفاء لأرض لها في القلب منزلة لا يضاهيها مكان، وفي الوجدان حنين لا تطفئه المسافات؛ فبعض البقاع لا يكفيها الوصف مهما بلغت بلاغته؛ لأنها أكبر من أن تختصرها الكلمات، وأعمق من أن تحيط بها العبارات.
وحين يحل موسم الصِّرب، تستقبل ضلكوت واحداً من أجمل فصولها وأكثرها إشراقاً؛ فتنجلي سحب الخريف عن سماء صافية، وتنساب أشعة الشمس على الروابي والهضاب، وتداعب النسمات العليلة سفوح الجبال وامتداد السهول، فتبدو الأرض وكأنها تتهيأ لعرس من الجمال والبهاء. وفي تلك الأجواء، تتجلى روعة الطبيعة في أصفى صورها؛ حيث يمتزج اعتدال المناخ بسكينة المكان، وتكتمل ملامح مشهد بديع يأسر الأنظار، وبعث في النفس راحة لا توصف، حتى ليخيل للزائر أن الطبيعة قد اختارت هذه الأرض لتبوح فيها بأجمل أسرارها.
ولضلكوت من فرادة الموقع ما يزيدها مهابة وجمالاً؛ إذ تحدها من الشرق محمية خرفوت بما تحتضنه من مشاهد طبيعية آسرة، ومن الغرب جبال صرفيت الش شماء التي تعانق الأفق بشموخ قممها وهيبة تضاريسها. وبين هذين المعلمين تمتد أرض تتجاور فيها الجبال والسهول، وتلتقي فيها نسمات البحر بعبير المرتفعات، في تناغم فريد يمنح المكان شخصية لا تشبه سواها. إنها جغرافيا لا تكتفي بأن تبهر الأبصار، بل تترك في النفس أثرًا عميقاً؛ وكأن لكل مرتفع فيها حكاية، ولكل أفق ذاكرة، ولكل نسمة رسالة تحمل شيئاً من سحر هذه الديار.
وإذا كانت الطبيعة قد وهبت ضلكوت هذا الحسن البديع، فإن أهلها هم تاج جمالها وعنوان أصالتها؛ أولئك الذين توارثوا مكارم الأخلاق جيلاً بعد جيل، وحفظوا من شمائل الآباء والأجداد كرم الضيافة، وصدق المودة، ونبل المواقف. ففيهم تتجسد المروءة بأبهى معانيها، وتبقى قيم الوفاء والتراحم وحسن الجوار شواهد على معدن أصيل لم تنل منه تحولات الزمن. وهكذا يكتمل بهاء هذه الولاية؛ فلا يكون جمالها فيما تراه العين فحسب، بل فيما تلمسه النفس من طيب أهلها، وسمو أخلاقهم، واعتزازهم بإرثهم العريق.
ولعل أعظم ما يميز ضلكوت أن جمالها لا ينتهي بانقضاء موسم، ولا تتلاشى صورتها بانتهاء زيارة؛ فهي حكاية أرض وذاكرة أجيال، ومهد ذكريات ارتبطت بوجدان أبنائها، حتى غدا الانتماء إليها شعوراً يتجاوز حدود الجغرافيا. ففي رحابها تختزن الأيام أجمل تفاصيلها، وعلى روابيها تستعيد الذاكرة صوراً من زمن عزيز، وبين جنباتها يبقى للماضي حضوره، وللحاضر بهجته، وللأرض مكانتها التي لا تتغير.
وستبقى ضلكوت -بما تحتضنه من جمال، وما تحمله من تاريخ، وما تزخر به من أصالة- إحدى تلك البقاع التي لا تقاس قيمتها بما تراه الأبصار، بل بما تستقر عليه محبتها في أعماق القلوب. فكلما ابتعدنا عنها ازددنا إليها شوقاً، وكلما أخذتنا الحياة إلى آفاق بعيدة أدركنا أن بعض الأماكن لا يغيب حضورها مهما طالت المسافات، ولا يخفت عشقها مهما تعاقبت السنون. فما كل أرض نطؤها تصبح جزءاً منا، ولا كل مكان نغادره نستطيع مفارقته؛ وثمة أرض إذا رحلنا عنها بقيت فينا، وإذا عدنا إليها شعرنا أننا لم نغادرها يوماً، وتلك هي ضلكوت: أرض لا ينتهي عند حدودها الجمال، ولا ينقضي في القلوب حنينها، ولا تستطيع الأيام أن تطوي حكاية عشقنا لها.


