بقلم: محمد بن زاهر العبري
ليست المشكلة أن يختلف معنا الآخرون، فالاختلاف حق، والنقد الموضوعي أمر مشروع، لكن المشكلة الحقيقية أن تتحول الإساءة إلى عُمان، قيادةً وشعبًا وسيادةً، إلى مادة للتطاول والشتم والتجريح، ثم يُطلب من العُماني أن يلتزم الصمت وكأن كرامة وطنه أمر قابل للتفاوض!
لقد أثبتت سلطنة عُمان، عبر مواقفها في مختلف الأزمات، أنها لا تتعامل مع أشقائها بمنطق المصالح الضيقة، ولا تجعل الخلافات سببًا للتخلي عن الآخرين. كانت عُمان حاضرة بمواقفها الإنسانية والدبلوماسية، وسعت إلى التهدئة وتقريب وجهات النظر، ومدّت يدها حيث احتاجت الشعوب إلى من يقف معها. وهذه ليست منّةً على أحد، بل نهج راسخ يعكس هوية الدولة ومبادئها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا يُحاسَب من يدافع عن وطنه، بينما لا نرى الموقف نفسه من أولئك الذين يتعمدون الإساءة إلى عُمان من خارج حدودها؟
حين يخرج عُماني للرد على من يتطاول على بلده، ويطالب باحترام سيادتها وكرامة شعبها، يصبح مطالبًا بضبط كلماته وتحمل تبعات ردّه، وهذا أمر مفهوم إذا كان في إطار القانون. لكن أين المبدأ ذاته حين يتجاوز الآخرون حدود النقد، ويستخدمون منصات التواصل لبث الشتائم والإهانات والتطاول على سلطنة عُمان؟ أليس من حق العُماني أن يسأل عن العدالة في تطبيق القانون، وعن موقف الجهات المعنية من هذه التجاوزات؟
إننا لا نطالب بإسكات أحد، ولا نريد أن تتحول منصات التواصل إلى ساحات للخصومة بين الشعوب الخليجية التي تجمعها روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك. بل نطالب بمبدأ واضح: كما نرفض الإساءة إلى الآخرين، نرفض أن تصبح عُمان هدفًا مباحًا للإساءة، وأن يُترك من يتطاول عليها دون مساءلة وفق القوانين المعمول بها.
العلاقات الخليجية أكبر من أن تهزّها حسابات مجهولة أو أصوات تبحث عن الشهرة عبر استفزاز الشعوب. وما يجمعنا بأشقائنا أكبر من أن نسمح للإساءات الفردية بأن تتحول إلى عداوات بين المجتمعات. لكن الحفاظ على هذه العلاقات لا يعني السكوت عن التجاوزات، ولا يعني أن يكون احترام الآخرين واجبًا علينا وحدنا، بينما يُعامل احترام عُمان وكأنه خيار.
ومن هنا، فإن المطلوب موقف واضح من الجهات المختصة، يتمثل في رصد التجاوزات التي تتضمن سبًّا أو قذفًا أو تهديدًا أو إساءة مجرّمة قانونًا، والتعامل معها عبر القنوات الرسمية والتعاون القانوني بين الدول، بعيدًا عن الانتقام الشخصي أو حملات التشهير. فالدفاع عن الوطن لا يكون بالفوضى، وإنما بالقانون والحجة والموقف المسؤول.
كما أن على كل عُماني أن يدرك أن قوة الرد ليست في الشتيمة، ولا في الانجرار إلى مستنقع الإساءة، بل في الكلمة الرصينة التي تكشف التناقض، وفي الموقف الذي يثبت أن لهذا الوطن أبناءً يعرفون قدره ويدافعون عنه بوعي ومسؤولية.
عُمان ليست دولة تبحث عن التصفيق، ولا وطنًا ينتظر شهادة من أحد كي يثبت مكانته. لكنها أيضًا ليست وطنًا يُقبل أن يُساء إليه ثم يُطلب من أبنائه أن يبتلعوا الإهانة باسم الأخوّة.
الأخوّة الحقيقية تقوم على الاحترام المتبادل، والسيادة لا تتجزأ، وكرامة الشعوب لا تُقاس بحدودها الجغرافية. ومن يريد علاقات خليجية متينة، فعليه أن يبدأ باحترام الدول وشعوبها، وأن يدرك أن حرية التعبير لا تعني حرية الإساءة.
رسالتنا واضحة: نحن مع احترام الجميع، لكننا لن نقبل ازدواجية المعايير. ومن حق عُمان أن تُحترم، ومن حق أبنائها أن يطالبوا بمحاسبة كل من يتجاوز القانون ويسيء إليها، أيًّا كان موقعه أو جنسيته. فعُمان تستحق الاحترام، والدفاع عنها مسؤولية، والعدالة يجب أن تكون للجميع..


