هندسة المجتمعات … من يقودها وهل الترفيه يكفي لبناء مجتمعات صحية في ظل ما يحدث حولنا ؟؟؟

نشرت :

راي اليوم

صحيفة اليوم العمانية

في عالم عربي يواجه تحولات متسارعة في التعليم والاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا، يتكرر السؤال عن (هندسة المجتمعات) هل هي عملية مدروسة واعية، أم خليط من السياسات والإعلام والترفيه والتأثيرات الخارجية؟ ومن يقود هذه العملية فعلياً؟ وهل من يقودها مؤهل علمياً وأخلاقياً؟ والأهم: هل يكفي الترفيه وحده، أم أن الأمر يتطلب أدوات أعمق لخلق مجتمعات صحية ومتماسكة؟

يُستخدم مصطلح «الهندسة الاجتماعية» في سياقين مختلفين. الأول تقني أمني يشير إلى تقنيات الخداع والتلاعب النفسي لاستخراج معلومات أو توجيه سلوك الأفراد (مثل التصيد الاحتيالي عبر وسائل التواصل). أما الثاني وهو الأقرب إلى سياق بناء المجتمعات، فيعني الجهود المنظمة للتأثير في القيم والسلوكيات والهياكل الاجتماعية بهدف إحداث تغيير مقصود، سواء عبر السياسات العامة أو التعليم أو الإعلام أو الثقافة.

 في السياق العربي، ارتبط المفهوم تاريخياً بمحاولات إعادة تشكيل المجتمعات بعد الاستقلال أو الحروب أو التحولات الاقتصادية، ويستمر اليوم في إطار رؤى وطنية مثل «عمان 2040» أو نظيراتها في دول خليجية أخرى، حيث يُوضع الإنسان في قلب التنمية. كما يظهر في نقاشات حول تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والعولمة على الهوية والقيم.

من يقود هذه الهندسة في المجتمعات العربية؟

 لا يوجد قائد واحد مطلق انما الواقع متعدد الأقطاب منها الدول والحكومات: عبر وزارات التربية والتعليم والثقافة والإعلام والشباب، والرؤى الاستراتيجية طويلة الأمد تضع هذه الجهات سياسات التعليم والمناهج والمهرجانات الثقافية وبرامج المواطنة، معتبرة الإنسان رأس المال الأساسي.

 اما الإعلام وصناعة الترفيه: التلفزيون والمنصات الرقمية والمهرجانات والمسرح والسينما والموسيقى. هنا يبرز دور «صناع المحتوى» والنجوم والمؤسسات الترفيهية في تشكيل الذوق العام والقيم اليومية، أحياناً بشكل واعٍ وأحياناً عشوائياً تحت ضغط السوق والجمهور.

 وهناك المؤسسات الدينية والتعليمية المدارس والجامعات والمساجد والجمعيات، التي لا تزال تؤثر بشكل نسبي في التنشئة والقيم.

و التكنولوجيا والمنصات العالمية مثل خوارزميات التواصل الاجتماعي والشركات التقنية الكبرى، التي تعيد تشكيل أنماط الاستهلاك والتفاعل والهوية دون أن تكون بالضرورة «عربية» أو ملتزمة بأجندة محلية.

 وهناك النخب الفكرية والأكاديمية منهم علماء الاجتماع والمفكرون والمثقفون، الذين يشخصون المشكلات ويقترحون حلولاً، لكن تأثيرهم غالباً أقل من تأثير الإعلام والسياسة. في بعض التحليلات، يُنظر إلى هذه العملية كـ«هندسة من أعلى» تقودها النخب السياسية والثقافية، وفي أخرى كعملية تفاعلية تتأثر أيضاً بالجمهور نفسه وردود فعله.

هل من يقودها مؤهل؟

 الإجابة ليست قطعية هناك كفاءات حقيقية في مجالات التخطيط الاستراتيجي والتعليم والسياسات العامة، مدعومة ببيانات ورؤى تنموية. ومع ذلك، يبرز انتقاد متكرر كثير من «المهندسين» العمليين في مجال الثقافة والإعلام يفتقرون إلى خلفية عميقة في علم الاجتماع أو علم النفس الاجتماعي أو الدراسات الطويلة الأمد للتغيير المجتمعي. النتيجة أحياناً تركيز مفرط على الشكل واللحظة والترفيه السريع، دون بناء مؤسسي مستدام أو معالجة جذور المشكلات (مثل جودة التعليم، الفرص الاقتصادية، الثقة المؤسسية، أو التماسك الاجتماعي). في المقابل، يرى مؤيدو النهج الحالي أن الترفيه أداة فعالة للوصول إلى شرائح واسعة، خاصة الشباب، وأن عزل الثقافة عن الترفيه يجعلها نخبوية وغير مؤثرة. لكن النقاد يحذرون من أن الاعتماد المفرط على الترفيه قد ينتج مجتمعات «مستهلكة» أكثر من كونها منتجة أو ناقدة وهذا السائد للاسف حاليا في مجتمعتنا !!!

الترفيه وحده لا يكفي.. أدوات أعمق لبناء مجتمعات صحية

 بناء مجتمعات صحية يتطلب أكثر بكثير من العروض والبرامج والفعاليات والمهرجانات الخالية من الدسم الفكري . الترفيه يمكن أن يكون بوابة، لكنه ليس الأساس. الأدوات الأعمق تشمل تعليم نوعي يركز على التفكير النقدي والمهارات والقيم، لا الحفظ فقط و  فرص اقتصادية حقيقية تقلل الإحباط وتعزز الانتماء ومؤسسات قوية وشفافة تبني الثقة بين المواطن والدولة وثقافة الحوار والاختلاف بعيداً عن الصراخ والاستقطاب واستثمار طويل الأمد في العلوم الاجتماعية لفهم المجتمع من داخله، لا استيراد نماذج جاهزة وكذلك توازن بين الأصالة والمعاصرة يحفظ الهوية دون انغلاق.

في السياق نفسه تظهر نقاشات مشابهة حول دور المسرح والثقافة: هل يكفي الاستعراض والصوت العالي، أم المطلوب رسالة هادفة وإمكانيات تُستخدم لبناء وعي؟ السؤال نفسه ينسحب على المستوى العربي الأوسع. ان هندسة المجتمعات العربية عملية معقدة يقودها مزيج من الدولة والإعلام والتكنولوجيا والنخب، بمستويات متفاوتة من التأهيل والوعي. الترفيه جزء مهم من المعادلة الحديثة، لكنه إذا أصبح الهدف الوحيد أو الأداة الرئيسية، ينتج سطحية لا صحة مجتمعية. المجتمعات الصحية تُبنى على طبقات أعمق: تعليم، اقتصاد، قيم، مؤسسات، وحوار. التحدي الحقيقي ليس في «من يقود» فحسب، بل في هل يقود بوعي علمي وأخلاقي طويل الأمد، أم بردود فعل لحظية ترضي الجمهور اللحظي على حساب الجيل القادم.

حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والانسانية كافة من كل شر…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img