ماجد المرهون
تُشكل المُمتلكات العامة والخاصة عبر التاريخ امتدادًا ماديًا للمعنى الحقيقي لروح الأمَّة، والثمرةُ التراكمية للعقد الاجتماعي الأصيل الذي تنصهر فيه إرادة الأفراد لصون الوجود المشترك، ويُتعبر الحفاظ على المكتسبات سلوكًا تعايشيًا في العرف الإنساني، وتحكمهُ الدساتير الربَّانية والأخلاقية قبل أن تحكمهُ الأنظمة والقوانين الوضعية، ومن الأصول المتينة لترسيخ مفهوم الكرامة اشتراط عدم المساس بكل ما حققته كل أمة من عمران ومؤسسات ومنافع ومصالح خدمة المجتمع، وأقصد هنا الوعي العام المشترك الذي يحرك حميّة المجتمع كمظلة حافظة للأصول والموجودات والمنقولات، ولا أقصد ما تُنتجهُ وتفرزهُ الحروب، فذلك شأن آخر.
غير أن ما شهدناه مؤخرًا في حاضرة التنوير الفرنسية من أعمال شغبٍ ونهب وتخريب وتدمير للمرافق العامة والخاصة وصولًا إلى التاريخية منها أثناء المُظاهرات قد كشف لنا عن شُروخٍ عميقة في بُنية الوعي الجمعي المُعاصر، وهو أقرب مايكون للإنسانية المُتفردة بالأنا وحب الذات على حساب الجميع وحساب المبدأ الذي خرجت من أجله تلك الحشود، حيث تجلى استباحة الفضاء العام تحت ذرائع حرية التعبير عن سخطٍ دفين اظهر هشاشة المدنية التي طالما فاخروا العالم بها، وسرعان ما تتحول تلك القشرة الحضارية كثَّة المظهر رقيقة الجوهر إلى هباءٍ منثور عند أول محكات الغضب، ليتكشف الفارق الحاسم بين الفعل الاحتجاجي العقلاني الرشيد بوصفه أداةً لارتقاء الشعوب والنزعة الهوجاء التي تستبدل الرقي الحضاري إلى خرابٍ بأيدي اهلها.
إن العودة إلى الجذور الفكرية للثقافة الأوروبية تضعنا أمام مفارقة صارخة بين تنظير الفلاسفة واحتضار الممارسة، حين أرسى أعلام ثورة التنوير والثورة الفرنسية احكام القواعد التأسيسية للمدنية الحديثة، واعتقدنا أنها شقَّت طريقها لوعي الإنسان الغربي من فكر التنظير إلى واقع التأطير كما كان يأمل جان جاك روسو في مفهوم الإرادة العامة والعقد الإجتماعي، كحصنٍ يضمن كرامة الإنسان ويرفض الفوضى، ومن قبله فولتير في حرية التفكير والتسامح والعدالة كقواعد للمجتمع الفاضل، وما حاول مونتيسكيو تأصيلهُ في روح القوانين والفصل بين السلطات لحماية الحرية من شطط الإستبداد، ليتفتق الأقنوم التنويري الثوري في التاريخ الفرنسي الحديث عن ثالوث الحرية والمساواة والإخاء، الذي صُمم ليكون سياجًا يحمي الإنسان وميثاقاً يصون العمران، بيد انه أغرق في نظرتهِ الوردية قولًا وأهمل الاقتصادية وتوزيع الثروات فعلًا.
تكشِف مشاهد التخريب الانفعالية والمُتعمدة في شوارع عاصمة النور عن ساق الانفصال بين الشعارات السامية والسلوك الميداني المُنفلت، فالحرية التي لا تضبطها المسؤولية الأخلاقية تجاه المكتسبات والمُقدرات تتحول إلى ذريعةٍ دنيئة للإنتهاك، والمُساواة التي تُنتزع عبر تدمير مُمتلكات الآخرين ما هي إلا مُجرد قناعٍ زائف للتخلُّف ومن الطبيعي أن تنسحق الأخلاق تحت وطأةِ أقدام من يمارس العنف، ويأخذ حقه بيده في مُحيطهِ الذي يجمع أبناء وطنه، وربما السقوط في فخ التدمير يبرهن على السلوك الذي لا يفترض به أن ينتمي إلى إرادة العقل الفردي والجمعي، ليتجلى في أنقى صورهِ ارتكاسًا إلى حالة من البدائية القائمة على الصراع من أجل البقاء، وينسف العنف والتخريب اهلية المُطالب بحقوقهِ، فتتحول القضية العادلة إلى فعلٍ عبثي يُجرد صاحبه من حقوقهِ كما تجَرد من أبسط قيمهِ الأخلاقية.
إن المُقارنةَ بين الصورة الذهنية التي حاولت الحضارة الأوروبية ترسيخها فكريًا بوصفها الفردوس الأعلى للعقلانية وبين الواقع المُتجسد في الأحداث، تُفكك اسطورة الحصانة الأخلاقية الغربية، إذ يظهر جلياً للعالم أن التقدم المادي والتقني ليس ضامنًا كافيًا لنُضج الوعي، ويبدو أن ماكان يردع تلك المُمارسات هو الخوف من العقوبة فقط والتي ما تلبث ان تختفي عند الانفلات الأمني وليس رادع الولاء والإنتماء، وباتت المركزية الأوروبية التي قدمت نفسها للأنام كمعيار لآخر معاقل الرقي مُحاصرةً بعنجهيةِ داخلية تتغذى على اقتناص فُرص حالات الاحتقان المؤقتة، وتوقع الوعي الحضاري السائد في مُغالطةٍ واضحة بين الفلسفة القيمِّة والممارسة الواقعية، وهي بالفعل فجوة نقدية واسعة للمصلحة المشتركة وللمصلحة الشخصية الذاتية، مؤكدةً بأن التطور مهما بلغ يظل بناءً زجاجيًا هشًا يتهشم عند أول اختبار إن لم يُقرن بتطورٍ ثقافي وارتقاء أخلاقي.
أخيرًا، فإن الوعي الحقيقي للشعوب يُقاس بمستوى القدرة على صون المُكتسبات والمُنجزات وحفظ حقوق الآخرين، وهو الفعل الذي يعكس البناء الحقيقي للإنسان، لأنها -الحضارة- ليست ناطحات سحاب وشوارع مرصوفة وطرقاتٍ مزركشة أو مجرد رفاهٍ معيشي مُسرف، بقدر ما هي ممارسةٍ تربوية مُتجذرة في النفوس وترفض الخراب في احلك مراحل الصراع والخلاف، وما حدث في باريس يقدم لنا درسًا بليغًا بأن الشعوب التي تفرط في مكتسباتها تحت فورة الغضب إنما تغتال ذاتيًا ذاكرتها الحضارية ومستقبلها، وأن الشعارات والنظريات ما هي إلا لغويات مهجورة مالم تتحول طبيقيًا إلى درعٍ يقي الوطن من سقطات الفوضى، ويحمي الإنسان كما يحمي العمران والبنيان من غلواء العبث وفرط التعسّف وجور الكراهية.


