سلطنة عُمان والصين: علاقة متجذرة عبر القرون، وشراكة استراتيجية تفتح آفاقاً جديدة

نشرت :

راي اليوم

صحيفة اليوم العمانية

تُعد زيارة السلطان هيثم بن طارق ال سعيد لجمهورية الصين هذه الأولى من نوعها لسلطان عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 25 مايو 1978، وهي محطة تاريخية تعزز الشراكة الاستراتيجية التي أُعلنت عام 2018. تعود الصلات بين عُمان والصين إلى أكثر من 1200 عام وفق الوثائق الصينية. لعب العمانيون دوراً محورياً في الملاحة والتجارة البحرية عبر طريق الحرير البحري وطريق اللبان. ويُوثق وصول التاجر العُماني أبي عبيدة عبدالله بن القاسم من صحار إلى ميناء كانتون (غوانتشو حالياً) حوالي عام 750 ميلادية. وفي القرن الخامس عشر، وصلت رحلات الملاح الصيني تشنغ خه إلى السواحل العُمانية، مما يعكس عمق التبادل الحضاري والبحري بين الجانبين. وكانت الموانئ العُمانية التاريخية مثل صحار ومسقط ومرباط والبليد محطات رئيسية في شبكة التجارة العالمية بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى.

انتقلت هذه الروابط التاريخية إلى علاقات دبلوماسية حديثة مستقرة قائمة على الاحترام المتبادل، ثم ارتقت إلى شراكة استراتيجية في 2018 مع توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق. ومنذ ذلك الحين توسعت مجالات التعاون لتشمل الطاقة والبنية الأساسية والاستثمار والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والتبادل الثقافي والعلمي.

أهمية سياسية في ظل التوترات الإقليمية

تأتي الزيارة في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة تؤثر على أمن الطاقة والممرات البحرية، خاصة مضيق هرمز. وتُبرز السياسة العُمانية المتوازنة، القائمة على الحياد الإيجابي والحوار وحل النزاعات سلمياً، دور السلطنة كوسيط موثوق. وتتيح الزيارة تعزيز التنسيق السياسي والاستراتيجي مع قوة عالمية كبرى مثل الصين، بما يدعم استقلالية القرار العُماني ويوفر دعماً استراتيجياً في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية.

ويُنظر إلى اللقاء  بين جلالة السلطان والرئيس شي جين بينغ، إلى جانب اللقاءات مع مسؤولين صينيين آخرين، على أنه فرصة لتعزيز الثقة السياسية وفتح آفاق أوسع للتعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك أمن الخليج واستقرار المنطقة.

شراكة اقتصادية استراتيجية متنامية

تُعد الصين الشريك التجاري الأكبر لسلطنة عُمان وأكبر سوق لصادراتها. بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 25 مليار دولار أمريكي في عام 2025، مع استحواذ النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية على النصيب الأكبر من الصادرات العُمانية. وتُظهر بيانات أخرى أن التبادل بلغ مستويات أعلى في سنوات سابقة، فيما يستمر الاستثمار الصيني المباشر في النمو، ليصل إلى نحو 903.8 مليون ريال عُماني بنهاية الربع الثاني من 2026. وتتقاطع أهداف رؤية عُمان 2040 مع مبادرة الحزام والطريق في مجالات التنويع الاقتصادي والصناعة والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية والمناطق الاقتصادية الخاصة، وعلى رأسها المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم التي تضم المدينة الصناعية الصينية-العُمانية. وتشمل أولويات التعاون المستقبلية الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والأمن الغذائي وسلاسل التوريد والموانئ. يرافق جلالة السلطان وفد رسمي رفيع المستوى يضم نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع ووزراء الخارجية والديوان والمكتب السلطاني والتجارة والصناعة والنقل والاتصالات، ورئيس جهاز الاستثمار، ومحافظ البنك المركزي، مما يعكس التركيز على الأبعاد الاقتصادية والاستثمارية إلى جانب السياسية.

كيف تستفيد عُمان والمنطقة من هذا القطب العالمي؟

تمثل الصين قطباً اقتصادياً وتكنولوجياً عالمياً، والاستفادة منها تعني جذب استثمارات نوعية في الطاقة المتجددة والصناعة التحويلية والتكنولوجيا المتقدمة، ونقل المعرفة والخبرات، وتطوير البنية التحتية اللوجستية التي تحول عُمان إلى مركز إقليمي للتجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. كما يعزز ذلك تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، ويدعم أهداف الرؤية الوطنية في بناء اقتصاد مستدام قائم على المعرفة.على المستوى الإقليمي، تساهم الشراكة العُمانية-الصينية في تعزيز استقرار أمن الطاقة والممرات البحرية، وتشجع نماذج التعاون البناء بعيداً عن الاستقطاب، وتفتح فرصاً لدول المنطقة للاستفادة من الاستثمارات الصينية والخبرات في التنمية المستدامة. ويُتوقع أن تُسفر الزيارة عن توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم تدفع بالعلاقات إلى مستويات أعلى في مختلف المجالات. تُجسد زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق إلى الصين استمرارية لعلاقة حضارية عريقة، وتحولاً نوعياً نحو شراكة استراتيجية شاملة تلبي طموحات الجانبين في عالم متغير. ومع ما تحمله من أبعاد سياسية واقتصادية، فإنها تفتح آفاقاً واسعة أمام سلطنة عُمان ودول المنطقة للاستفادة من قوة الصين الصاعدة، بما يخدم التنمية والاستقرار والمصالح المشتركة.

حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والانسانية كافة من كل شر…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img