قراءة تحليلية في خطاب العرش السامي بعنوان : الأردن الذي لا ينكسر، والدولة التي لا تساوم على أمنها وكرامة شعبها

نشرت :

د.فاطمة العقاربة

لم يكن خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة مجرد خطاب دستوري تقليدي، بل جاء محمّلاً برسائل سياسية واستراتيجية عميقة، رسمت ملامح المرحلة المقبلة، وحددت بوضوح ثوابت الدولة الأردنية في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وأعادت التأكيد على أن الأردن، رغم ما يحيط به من اضطرابات إقليمية ومحاولات استهداف، يمتلك مناعة الدولة، وصلابة المؤسسات، ووعي الشعب ما يجعله عصياً على الاختراق والانكسار.

ان استحضار جلالة الملك لأحداث الكرك وشهدائها في مستهل الخطاب ليؤكد أن أمن الأردن ليس ملفاً إجرائياً تتعامل معه المؤسسات فحسب، بل قضية سيادة وهوية وانتماء. وحين قال جلالته: «هؤلاء ليسوا منا.. هؤلاء خرجوا عن عائلتنا الأردنية العظيمة.. وخانوا هذه الأسرة»، فإن الرسالة هنا تتجاوز توصيف الجريمة الإرهابية إلى تأكيد أن الإرهاب لا يمثل المجتمع الأردني ولا ينتمي إلى قيمه أو نسيجه الوطني.

إنها رسالة حاسمة في الفصل بين الاختلاف المشروع والانحراف الإرهابي، وبين حرية الرأي والخروج على أمن المجتمع والدولة. كما أن التأكيد على أن دماء شهداء الكرك عهد في أعناق الأردنيين يحمل دلالة وطنية عميقة، مفادها أن تضحيات الشهداء ليست حدثاً عابراً في الذاكرة، بل مسؤولية مستمرة في حماية الوطن وصون أمنه.

عندما يؤكد جلالة الملك أن الأردن «كان وسيبقى عصياً على كل معتد غاشم»، فهو يضع الأمن الوطني في إطاره الاستراتيجي الشامل؛ فالدولة لا تستمد قوتها من قدراتها العسكرية والأمنية وحدها، بل من تماسك جبهتها الداخلية، وثقة مواطنيها بمؤسساتها، وقدرتها على إدارة الأزمات دون أن تفقد توازنها.
ولعل من أبرز رسائل الخطاب إعادة الاعتبار للدور المحوري الذي يقوم به الجيش العربي والأجهزة الأمنية، بوصفهم سياج الوطن وحماة استقراره. فهؤلاء الذين يسهرون لتبقى حياة الأردنيين آمنة، ليسوا مجرد مؤسسات تؤدي واجباتها، بل ركيزة أساسية في معادلة الأمن والاستقرار الوطني.
وإن قوة الأردن لا تقاس فقط بما يمتلكه من جاهزية عسكرية، وإنما أيضاً بقدرته على إفشال محاولات بث الفتنة، ومواجهة التضليل، وحماية وعي المجتمع من حملات التشكيك والاستهداف، خصوصاً في فضاء رقمي أصبحت فيه الإشاعة أداة ضغط، والكلمة غير المسؤولة وسيلة لإرباك المجتمعات.
من أكثر العبارات عمقاً في الخطاب قول جلالة الملك: «ولا يزال رهاني على الأردني».
هذه العبارة تختصر فلسفة العلاقة بين القيادة والشعب، وتضع المواطن في قلب معادلة الاستقرار الوطني. فالرهان على وعي الأردني وحكمته وإخلاصه ليس مجرد إشادة معنوية، بل هو تأكيد على أن الجبهة الداخلية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات.

وحين تلتبس الطرق وتعلو الانفعالات، يصبح الوعي الوطني ضرورة أمنية، وتتحول الحكمة إلى مسؤولية جماعية. فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما يُتداول موقفاً وطنياً، وليس كل خطاب مرتفع الصوت تعبيراً عن الانتماء.
إن المرحلة تتطلب مواطناً يدرك أن حماية الأردن لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بالوعي والتحقق من المعلومات، واحترام المؤسسات، والتمسك بأدب الاختلاف، وعدم الانجرار خلف محاولات استدراج المجتمع إلى صراعات داخلية أو إقليمية.

في الشأن الإقليمي، أعاد جلالة الملك التأكيد على الموقف الأردني الثابت تجاه القضية الفلسطينية، واضعاً الأمن والاستقرار في المنطقة ضمن معادلة لا يمكن أن تتحقق دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة في أرضه.
ولم يكن حديث جلالته عن غزة والضفة الغربية والقدس مجرد توصيف للمأساة الإنسانية والسياسية، بل حمل تحذيراً واضحاً من خطورة استمرار الانتهاكات الإسرائيلية والأطماع التوسعية على مستقبل المنطقة بأكملها.

واللافت في الخطاب قوله: «كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي»، وهي عبارة تحمل دلالة سياسية تتصل باستمرارية الموقف الأردني وثباته عبر الأجيال، وأن القضية الفلسطينية ليست موقفاً مرتبطاً بظرف سياسي عابر، بل جزء أصيل من هوية الدولة الأردنية ودورها العربي.

أما العبارات الثلاث: «فمن ظن أن الطغيان يمنح الشرعية.. واهم، ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة.. واهم، ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه.. أيضاً واهم»، فقد جاءت لتؤكد أن مرور الزمن لا يلغي الحقوق، وأن موازين القوة لا تمنح الظلم شرعية، وأن الموقف الأردني من فلسطين يستند إلى مبادئ سياسية وتاريخية ثابتة.
انتقل الخطاب إلى الداخل السياسي، مؤكداً أن مجلس الأمة ركن أساسي في الحياة السياسية، وأن الأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها.

وهنا وضع جلالة الملك أمام السلطة التشريعية مسؤولية تتجاوز إقرار القوانين إلى حماية المصلحة العامة، وممارسة الرقابة الفاعلة، وتقديم نموذج سياسي يليق بثقة المواطنين.

ولعل العبارة الأكثر دلالة في هذا المحور هي: «فالأردنيون لا ينظرون إلى ما يصدر عن هذه القبة من قوانين فقط، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب»
إنها دعوة صريحة إلى الارتقاء بالأداء البرلماني، وإلى إدراك أن الثقة الشعبية لا تُكتسب بالتصريحات والمواقف الإعلامية، بل بالإنجاز، والنزاهة، والجدية، والقدرة على تمثيل مصالح المواطنين.
فالاختلاف في الرأي، كما أكد جلالته، قوة سياسية ودستورية، شرط أن تبقى مصلحة الأردن هي الغاية والمرجعية.

لم يغفل الخطاب البعد الاقتصادي والمعيشي، بل أعاد وضع المواطن في صلب القرار العام، من خلال التأكيد على أن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في فرص العمل والتعليم والعلاج ومستوى المعيشة ومستقبل أبنائه.
وهنا تبرز أهمية دعوة الحكومة إلى تسريع إنجاز المشاريع الاقتصادية الكبرى، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو، ويكرس دور الأردن المحوري في الإقليم.

لكن العبارة التي حملت دلالة استراتيجية استثنائية كانت: «المياه، المياه، المياه!».
إن تكرار الكلمة ثلاث مرات ليس مجرد تأكيد لغوي، بل يعكس حجم التحدي الذي يمثله الأمن المائي للأردن، ويضع هذا الملف في مرتبة الأولويات السيادية التي لا تحتمل التأجيل أو المعالجة التقليدية.
فالمياه ليست خدمة عامة فحسب، بل عنصر من عناصر الأمن الوطني، ومرتبطة بالاستقرار السكاني والزراعي والاقتصادي والاجتماعي، وبحقوق الأجيال القادمة.
ومن هنا تأتي أهمية التخطيط الاستباقي، وتنويع مصادر المياه، واستدامة الموارد، وتسريع المشاريع الوطنية التي تضمن الأمن المائي بعيداً عن أي ارتهان للظروف والمتغيرات.

من أكثر المحاور وضوحاً وحسماً في الخطاب تأكيد جلالة الملك أنه لا مكان لمن يتعامل مع الوظيفة العامة باعتبارها امتيازاً شخصياً، ولا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أياً كان موقعه.
وقوله: «القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً» يضع قاعدة أساسية في مفهوم الدولة الحديثة، وهي أن سيادة القانون لا تكتمل إلا بتطبيقه على الجميع دون استثناء.
و إن هيبة الدولة لا تُصان بالمناصب، ولا تُحمى بالنفوذ، وإنما تتحقق بالعدالة والمساءلة والنزاهة، وبوجود مؤسسات لا تسمح بتحويل السلطة العامة إلى وسيلة لخدمة المصالح الخاصة.
وهنا الخطاب يحمل رسالة مباشرة للحكومة والإدارة العامة، بأن ثقة المواطن تبدأ حين يرى العدالة تُطبق، والمساءلة تُمارس، والخدمة العامة تُقدّم باعتبارها تكليفاً ومسؤولية لا تشريفاً وامتيازاً.

وفي ختام الخطاب، أكد جلالة الملك أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور، وأن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول.
وهنا تتجلى معادلة الدولة التي تجمع بين احترام حرية التعبير وحماية المسؤولية الوطنية؛ فالاختلاف ليس تهديداً للوطن، بل يصبح قيمة إيجابية حين يقوم على المعلومة والموضوعية واحترام القانون.
إن الأردن يحتاج إلى فضاء عام تتعدد فيه الآراء، وتُناقش فيه السياسات، وتُطرح فيه الأسئلة الصعبة، دون أن يتحول الاختلاف إلى إساءة أو تشهير أو تحريض أو اعتداء على حقوق الآخرين.

إن القراءة السياسية والاستراتيجية لخطاب العرش تكشف عن مجموعة من الرسائل المتكاملة: أمن وطني لا يقبل المساومة، وجبهة داخلية تستند إلى وعي المواطن، وموقف عربي ثابت تجاه فلسطين، ومؤسسات مطالبة بتعزيز أدائها، واقتصاد يحتاج إلى تسريع الإنجاز، وأمن مائي يمثل أولوية سيادية، ودولة قانون لا تعترف بالحصانة فوق المساءلة.

ولعل الرسالة الأعمق في الخطاب أن الأردن لا يتعامل مع التحديات بمنطق ردود الفعل، بل بمنطق الدولة التي تعرف تاريخها، وتدرك موقعها، وتحمي مصالحها، وتتمسك بثوابتها.

إن قوة الأردن ليست في موقعه الجغرافي وحده، ولا في قدراته العسكرية والأمنية فحسب، بل في معادلة متكاملة قوامها القيادة والمؤسسات والشعب، وفي قدرة الأردنيين على تحويل المحن إلى مواقف، والتحديات إلى فرص لتعزيز التماسك الوطني.

فالأردن ليس وطناً تحميه الكلمات وحدها، بل دولة تحميها المؤسسات، ويصونها القانون، ويحرسها جيش عربي وأجهزة أمنية، ويمنحها شعب واعٍ يعرف قيمة أرضه وكرامة دولته.
سيبقى الأردن عصياً على كل من يختبر صلابته، كبيراً بمواقفه، ثابتاً بثوابته، وقادراً على حماية أمنه وقراره الوطني.

حفظ الله الأردن، قيادةً وشعباً وجيشاً وأجهزةً أمنية، ورحم شهداء الوطن الذين ستبقى تضحياتهم أمانة في أعناق الأردنيين.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img