حين يصبح الألم هويتنا

نشرت :

أحمد الحضرمي

لماذا نخاف أحياناً من «جزيرة السكينة»؟
ثمة شيء غريب في كوننا بشراً: أننا نألف أوجاعنا حتى نظنّها نحن.
يبدأ الوجع غريباً، ضيفاً لم نستدعِه: خسارة، أو خذلان، أو باب أُغلق في وجوهنا ونحن نظن أنه لن يُغلق. ثم يطول مقامه. وفي يوم لا نعرف تاريخه، نكفّ عن النظر إليه كحدث، ونبدأ بالنظر إلى أنفسنا من خلاله. يصير الحزن عدستنا، والخذلان مقياسنا للناس، ويصير سؤال «كيف أنجو مما حدث؟» سؤالاً آخر لا نجرؤ على قوله: من أكون إن لم أعد ذلك الذي انكسر؟
وللحزن المقيم ما ليس للفرح: الثبات. الفرح ضيف يأتي ويمضي، أما الحزن فنعرف خطوه في البيت. وحين يثقل الروح شيء لا ندري ما هو، نسمّيه طبعاً ونقول: هكذا أنا. وإن صدقنا مع أنفسنا وجدنا في هذا الثقل لذّة خفية لا نجرؤ على الاعتراف بها: لذّة أن يكون لنا وجع نعرفه، وأن نكون أصحاب هذا الوجع. ولهذا نؤثر أحياناً ثقلاً نعرفه على خفّة لم نجرّبها.
وفي كتاب «تخلّص من الحجر» (Drop the Rock) لمؤلفيه Bill P. وTodd W. وSara S. حكاية تقول هذا بلا مواربة، وقد أكون نسيتُ بعض تفاصيلها: سفينة تمضي إلى جزيرة اسمها «السكينة»، وعلى متنها ناس سعداء. وخلفها تسبح امرأة تحاول اللحاق بهم بكل ما فيها، لكنها كلما بذلت أكثر غاصت أكثر، فقد كان حول عنقها حجر معلّق بحبال. ومن على السفينة يصيحون بها: تخلّصي من الحجر! لكنها لا تفهم ما الذي يقصدونه، فتعيد المحاولة. حتى تنهكها المحاولات، وتدرك أخيراً أن ما يُغرقها ليس الماء، بل ما تحمله. فتحلّ الحبال وتتركه، وتسبح بخفة لم تعرفها، وتلحق بالسفينة.
ولعلّ الحجر ليس الجرح نفسه، بل ما نربطه بالجرح كل يوم: خوفاً، وضغينة، وحنيناً إلى ما كان، حتى يصير الجرح والحبل شيئاً واحداً. ونحن لا نتمسك بالألم وحده. نتمسك بمن كان معه: بوجوه أحببناها، وبحلم لم يكتمل، وبنسخة منا كانت أصغر وأصدق. ونخاف أن يكون تركه خيانة لهم، أو أن يعني أن ما فقدناه لم يكن يستحق كل هذا الحزن. فنحمله وفاءً، ويُغرقنا الوفاء.
لكن هل يحتاج الوفاء أن يكون ثقيلاً؟ للذكرى مكان في الذاكرة، لا حق الإقامة الدائمة في الحاضر. والذاكرة تحفظ ما كان، وليست بيتاً نعود إليه كل ليلة لنُعيد الجرح من أوله.
ثم يقرّر الحجر وجهتنا: نقرأ كل فرصة بخيبة قديمة، وكل وجه جديد بخوف قديم، وكل فرح قادم بتوقع الفقد. فيغدو الماضي سائقاً لا ذكرى، ونقف أمام سفينة قريبة ونحن نظن أن العلّة في أذرعنا. وهنا تخيفنا «جزيرة السكينة»: لأنها المجهول الذي لا نعرف من سنكون فيه. نعرف من نكون في الحزن؛ فمن نكون خارجه؟
ولا يعني التخلّص نسياناً. لم تُنكر المرأة في الحكاية أن الحجر كان حقيقياً، كفّت فقط عن التشبث به. ولم تكن شجاعتها هي ما أنقذها، بل أنها رأت. والرؤية قد تتأخر، وقد لا يصل إليها أحدنا إلا وهو يغرق.
إننا لسنا مجموع جراحنا، ولسنا مطالبين بالوفاء لها كي نكون أوفياء لمن فقدناهم. فلماذا نخاف أحياناً من الحياة التي قد تبدأ بعده؟ لأننا عرفنا أنفسنا طويلاً بما ينقصنا، فنسينا أن نسأل من نكون بعيداً عما فقدناه.
وقد نكتشف يوماً أن ما ظنناه وفاءً كان حملاً اعتدناه، وأن الوفاء الأصدق حياةٌ نحياها كاملة، نحمل فيها من فقدناهم في الذاكرة لا على الظهور.
فليس كل ما أقام فينا طويلاً يستحق أن يبقى معنا إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img