حديث بين الأجيال

نشرت :

سالم بن أحمد العمري أبو سهيل

في قريةٍ نائيةٍ بعيدةٍ عن صخب المدن، تقع وسط غابةٍ كثيفةٍ تحيط بها أشجار النارجيل “جوز الهند” والموز والفافاي “البابايا”. كلما توغلت فيها ازداد اندهاشك، حتى يكاد يأخذك إلى الجنون من جمالها.

تسكن هذه الغابة عائلةٌ بسيطةٌ تصنع حاجاتها من خيراتها: الأب واسمه سالم، والأم واسمها اللخيار، والابن واسمه سهيل. يعتمدون في معيشتهم على ما تجود به الأشجار وحيوانات الغابة.

تبدأ حكايتنا على مائدة الغداء؛ حيث كان الأب يطبخ المعجين، والأم تعد الرز المنشب، وهو أرزٌ مطبوخٌ بعصارة مبشور النارجيل. أما سهيل فأخذ جزءًا من المبشور وأضاف إليه السكر المستخرج من قصب السكر في مزرعتهم.

وأثناء حديث العائلة قالت الأم: “يا ولدي، لِمَ لا تذهب إلى المدينة وتبيع بعض أغراضنا هناك؟ نستفيد من ثمنها وتجلب لنا ما نحتاجه”.

في صباح اليوم التالي، جمع سهيل الأغراض ووضعها في العربة، ثم امتطى حصانه وتوجه إلى المدينة.

وصل إلى سوق المدينة، وما إن شاهد التجار بضاعته حتى سألوه: “بكم تبيع هذه الأغراض؟”

فقال لهم سهيل ببراءة: “ضعوا أنتم السعر، وبعدها أقرر”. كان لا يعرف تكلفة العمل ولا أسعاره.

فقال كبير التجار: “نعطيك فيها ألف ريال”.

فوافق سهيل فورًا.

فقال له التاجر: “كلما جلبت بضاعة، تعالَ إلى محلي مباشرة. سأشتريها منك لأن جودتها عالية”.

في طريق عودته إلى القرية، لفت انتباه سهيل مبنى ضخم، نقوشه تشبه تلك الموجودة في كهفٍ قريبٍ من قريتهم، وكُتب على لوحته: “متحف المدينة الوطني”. دفع رسم الدخول -ريالًا واحدًا- وتجول في أرجائه مندهشًا.

قال في نفسه: “لماذا لا أُنشئ متحفًا عند كهف النقوش في قريتنا؟ نستفيد منه ونوثّق موروثنا. سأسميه متحف الغابة“.

وصل سهيل إلى القرية عند أذان المغرب، محمّلًا بالأغراض التي طلبتها والدته. فرح الوالدان بعودة ابنهما سالمًا.

أعدّت الأم عشاءً مميزًا يسمى القراص، وهي رقائق من العجين تُطبخ بعصارة مبشور النارجيل.

وعلى مائدة العشاء سأل الأب ابنه: “ما رأيك في المدينة؟ وأنت تزورها لأول مرة”.

أجاب سهيل: “مدينة جميلة، لكن السكن فيها مزعج. أكثر ما أعجبني هو متحف المدينة الوطني ومقتنياته الكثيرة والقديمة. وقد خطرت في بالي فكرة: أن أُنشئ متحفًا باسم متحف الغابة بجوار كهف الكتابات. سيكون عبارة عن مجموعة من الأكواخ حول الكهف مع مسارٍ للمغامرات، نعرض فيه صناعاتنا وحرفنا وكل ما يخص بيئتنا، وندرب أبناء القرية عليها ليستفيدوا ويشغلوا وقت فراغهم”.

كان سالم شيخ القرية، فقال: “سأعقد اجتماعًا يحضره جميع أبناء القرية، صغارًا وكبارًا، لنعرض عليهم الفكرة”.

في الاجتماع، عرض الأب الفكرة وأعطى المجال لابنه ليشرحها بالتفصيل. رحّب الجميع بحماس، وقال صديق سالم واسمه مسعود: “لماذا لا نضيف على طول مسار المغامرات بعض الأنشطة التراثية؟” أثنى الجميع على الاقتراح وبدؤوا العمل فورًا بلا تأجيل.

بعد اكتمال المشروع، قال سالم: “سأدعو شيوخ القرى المجاورة، وسأدعو صديقي والي المدينة لافتتاح المشروع”.

حضر الوالي والمدعوون وهم يتوقعون مشروعًا صغيرًا، لكنهم تفاجؤوا بحجم الإنجاز وجمال الفكرة. تجاوز إعجابهم حدّ الانبهار.

قال الوالي: “سأكلف مكتبي بعمل الدعاية والتسويق لكم. سنكون شركاء معكم، فالعمل الجماعي يخلق التواصل ويقوّي أواصر التعاون، وبالتالي نحقق النجاح”. رحّب أهل القرية بما قاله الوالي.

وصل خبر متحف الغابة إلى الجهات المعنية والمتاحف العالمية، فقرروا زيارته.

قدمت الوفود وأُعجبوا بما رأوه، وقالوا: “سنتكفل بتعليم أبناء القرية في الجامعات، بشرطٍ واحد: أن تعيروا بعض مقتنياتكم لعرضها في متاحفنا”. وافق أهل القرية.

وهكذا تحوّل المشروع من فكرةٍ في خيال طفل إلى صرحٍ ضخمٍ وفر فرص عمل وطوّر القرية بأكملها، وكل ذلك بهدوءٍ وبدون ضجيج.

أكمل سهيل تعليمه حتى أصبح بروفيسورًا يُشار إليه بالبنان، وكُرّم على مستوى الدولة.

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img