‏ظفار الغالية من عوقد نويت

نشرت :

خالد بن سالم الغساني

في كلمات الشاعر الشعبي الكفيف سالم بن عامر بن منصور الرواس، رحمه الله، التي يعنونها بـ الصبر جميل يهنا لمن صبر، تتجلى روح ظفار، الأرض الساحرة التي تلتصق في سويداء القلب كجوهرة لا تضاهى، تداعب رهافة الحس وسلامة البصيرة:
من عوقد نويت غصباً ولو ما بغيت
في ليلي سريت هذي حقوق السفر
ساعة بالبعير وساعة برجلي أسير
ما عندي دليل صابر لدق الحجر
عديت السكون والقلب فيه الشجون
وازداد الحنون ما حد لحالي ذكر
جينا درب صيق العن أبوها طريق
فيها ما تفيق ولا تحصل مفر
نزلة والطلوع تجلب إليك الصدوع
ما تعطيك طوع ياكم فيها شجر
جينا درب حوف يا خير تلك الطروف
لو عيني تشوف باحكي حكاي نظر
في جادب طرح سنبوقنا بالفرح
طوبه وانشرح زهوة لنور القمر
جينا بن نفيس تاجر وما هو فليس
من أصله خسيس الضيف ما يعتبر
بن خوار قام معنا بكل احترام
زايد في الكرم ما طفل فيهم قصر
في الغيضة عرب ياخير ذاك النسب
مجلس للأدب مفتوح لكل البشر
بمحيفيف زان في أرض بن عوبثان
من إنس وجان فيها الزهور والثمر
في وقت الغروب دخلت ديرة يروب
محلاها دروب تصلح لصاحب موتر
يالله يامجيب عسى الدعاء تستجيب
فرجها قريب سهل ولا تعسر
“ظفار الغالية الأرض والبادية
عليش بالعافية بعد التعب والكدر”
بهذه الأبيات يرسم الشاعر لوحة تعبّر عن شوق المسافر الذي يعاني الإغتراب ويشده الحنين إلى ديرته، بعد ان عانى ماعاناه في سفرة لم تكن مخططة لولا ارتفاع الأحكام.
ظفار تلك الأرض الغالية التي لا تنافسها أرض في جمالها وسحرها، ولا يغني عنها بديل. لانها إحساس عميق تسكنه الروح؛ أرض تتبدل فيها المواسم كأنها أنغام سيمفونية طبيعية من صنع الخالق، من رذاذ الخريف العليل إلى دفء الصيف، ومن نسيم البحر إلى عبق الجبال، في تناغم يروي حكاية جمال متجددة.
تمتد سهولها كبساط أخضر يدعوك للتأمل، وتفيض أجواؤها بروائح اللبان، وشقائق النعمان، والمريمية، والورد الجوري، فتغدو الطبيعة لوحة عطرية تنعش الروح قبل الجسد. وفي جبالها، سمحان والقرا والقمر، تتدلى السحب كوشاح من حرير، حينها يغدو الصمت لغةً تُسمع وتُفهم، والجمال حكاية تقص وتُروى، حيث تتفتح أزهار البيضاح وشقائق النعمان والخزامى، في مشهدٍ يأسر الخيال ويمنح النفس سكينة عميقة.
أما شواطئها، من حاسك شرقاً، مروراً بسدح وحدبين، إلى مرباط وطاقة والدهاريز، ثم الحافة وعوقد، ذهاباً نحو ريسوت والمغسيل، وصولا الى الفزايح إبحاراً إلى ضلكوت وصولاً الى صرفيت .. فهي ملاذٌ للروح؛ برمالها الفضية ومياهها الصافية التي تعكس زرقة السماء، وأمواجها التي تنساب برفق كأنها تهمس بأسرار البحر، حيث تشعر أن الزمن يبطئ ليتركك في حضن الطبيعة، تستمع إلى نداء النوارس وعزف الموج في لحظة صفاء لا تُنسى. وفي باديتها، تمتد الرمال الذهبية بلا نهاية، تتراقص عليها أشعة الشمس فتبدو كبحر من نور، وبين الكثبان تنبثق الواحات، وتنساب الينابيع، ويعيش الإنسان في انسجام مع الأرض، يستمع إلى حكايات الريح، ويراقب النجوم، ويجد في هذا الامتداد الهادئ معنى السكينة والاتصال العميق بالحياة.

وليست ظفار بطبيعتها فقط، بل بأهلها الذين يشكلون روحها الحقيقية؛ كرمهم يسبق كلماتهم، وطيبتهم تحتضن الغريب قبل القريب. في مجالسهم، تجد الصدق والبساطة، وتسمع حكايات الصبر والمحبة، وتشعر بأنك في بيتك مهما بعدت بك المسافات. ضيافتهم عطاءٌ صادقٌ من القلب، يجعل كل لقاء ذكرى لا تُنسى، وكل جلسة درساً في البساطة والتواضع والإنسانية.
يحمل الشاعر المرحوم بإذن الله، في كلماته شوق المسافر الذي أنهكته الطرق، لكنه يعلم أن كل تعب يزول عند العودة إلى ظفار؛ فهي الأرض التي تعيد للروح توازنها، والقلب الذي ينبض بالحياة.
ظفار الغالية وطن يسكنك وإن ابتعدت، وذكرى لا تغيب مهما طال الغياب، فيها يصبح الصبر طريقاً إلى الجمال، وتلتقي الطيبة بالطبيعة في انسجام لا يوصف.
إنها ظفار…“أرض اللبان التي تشرب من دموع السحائب وتذكّر بالاهل والأحباب”..

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img