وداد الاسطنبولي
عبر وسائل التواصل الاجتماعي، استمعت إلى تسجيل صوتي لم أُعره اهتمامًا في البداية، مرّ كمرور الكرام. لكن بعد يوم، صادفته مرة أخرى، وهذه المرة أنصتُّ إليه بتمعّن، وأعدته أكثر من مرة.
كانت كلمات بسيطة لامرأة في عقدها السادس، لم تكن تلهث خلف الإعجابات، ولا تنتظر تصفيقًا. كان الصدق واضحًا في نبرتها، يتردد بين الهمس واليقين، حتى بدا صوتها وكأنه يجد طريقه إلى قلوب كثيرة. وربما أيقظ شعورًا مؤجلًا في صدور من استمعوا إليه.
أما أنا، فقد لامسني… فكتبت.
لم تكن خالتي تبحث عن بديل، بل عن الاستمرار. سنوات طويلة قضتها تؤدي مهمة لا يجرؤ عليها كثيرون: تغسيل الموتى.
عمل تطوعي يحمل في جوهره كرامة الإنسان، حيث يُودَّع الجسد بما يليق به، وتُطوى صفحة من الحياة بأمانة وصمت.
لكن مع مرور الوقت، واجهت صعوبة صحية حالت دون مواصلة هذا العمل كما كانت تفعل سابقًا. ورغم ذلك، لم تتراجع. بل كتبت عبر تطبيق “واتساب” دعوة بسيطة، بلا تكلّف، تدعو فيها من تملك الرغبة والقدرة والأمانة لتعلّم هذا العمل، طلبًا للأجر وخدمةً للمجتمع.
وهنا يبرز السؤال: هل كان هناك من يدرك قيمة هذه الدعوة؟ وهل هناك من يرى في هذا العمل مسؤولية تتجاوز كونه مهارة؟
ما حدث يؤكد أن هناك وعيًا واستعدادًا، لكنه يحتاج إلى تنظيم.
إن واقع تغسيل الموتى في المجتمع لا يزال يعتمد إلى حد كبير على جهود فردية غير منظمة، رغم كونه من فروض الكفاية. ويكشف ذلك عن تحديات واضحة، أبرزها محدودية الكوادر المؤهلة، خصوصًا من النساء، وغياب برامج منظمة تنقل الخبرة بشكل آمن ومنهجي.
ومن زاوية أخرى، قد يشكّل هذا المجال فرصة غير تقليدية للباحثين عن عمل، خاصة لمن يمتلكون الاستعداد النفسي والالتزام، في إطار منظم يضمن التأهيل والضبط الشرعي والصحي.
من هنا، تبرز الحاجة إلى طرح تساؤل جوهري: إلى من تُوجَّه المسؤولية؟
هل تقع على عاتق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية باعتبارها الجهة المعنية بالجوانب الشرعية؟
وهل يمكن للبلديات أن تسهم في توفير المرافق المهيأة لعمليات التغسيل وتنظيم الجوانب الخدمية المرتبطة بها؟
وهل للقطاع الصحي، ممثلًا في وزارة الصحة، دور في وضع الاشتراطات الصحية والتوعية بإجراءات السلامة الوقائية، خصوصًا في حالات الأمراض المعدية؟
ثم ماذا عن دور الإعلام والمؤثرين في نشر الوعي وتعزيز ثقافة التطوع في هذا المجال؟
إن ما بدأ كتسجيل صوتي عابر، تحوّل إلى مؤشر واضح على وجود حاجة مجتمعية وفرصة حقيقية لبناء منظومة متكاملة، لا تقتصر على سد النقص، بل تمتد لتمكين الراغبين في هذا العمل الإنساني النبيل.
هذا الملف لا يُعد مجالًا للاستثمار بقدر ما هو ضرورة إنسانية وشرعية، تحفظ كرامة الإنسان في آخر مراحله، وتعزز من روح التكافل في المجتمع.
وفي الختام، كل الشكر والتقدير لكل امرأة قامت بهذا الدور الإنساني، ممن هنّ على قيد الحياة ومن رحلن، فلهنّ الأجر والدعاء على ما قدّمن من خدمة جليلة للمجتمع.


