الوحدة الوطنية خط الدفاع الأول

نشرت :

الوحدة الوطنية ليست شعارات، أو احتفالات، أو عروضا عسكرية أو أمنية، ولا مؤشرات اقتصادية عالمية، ولا خطبا منبرية أو برامج توعوية فحسب؛ فالوحدة الوطنية لا ترسمها الخرائط والتضاريس والاتفاقيات الدولية، بل ترسمها القلوب والضمائر الحية التي تنتمي إليها شرعا؛ لأنها خيار شرعي، قال الله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾.
هذا قبل…
اما بعد…
فإن الأوطان التي تفككت عبر التاريخ لم تسقط من الخارج ابتداء، بل سقطت حين تفكك خط دفاعها الأول من الداخل – وحدتها الوطنية – بسبب التعصب المذهبي أو المناطقي، أو الجشع وشهوة السلطة والبطانة السيئة التي لا ترى إلا بعين الكِبر والتعالي، حتى أصبح كلٌّ يغني على ليلاه؛ هذا يئن من فقره وظلمه وإقصائه، فدفعته قرارات تلك البطانة إلى أحضان المال الخسيس، وهذا يُمنع من بيان عقيدة تحريم منازعةالامر اهله، وذاك ينتشي بنشوة السلطة التي أعمت بصره وسمعه وبصيرته، فتعصب وقدم الوحدة الفئوية الضيقة على الوحدة الوطنية، عندها يتفكك خط الدفاع الأول بمعناه الشامل: الفرد، ثم المجتمع، ثم مؤسساته، رغم ما يملكه الوطن من مقومات بشرية واقتصادية وثقافية وجغرافية.

أخيرا…
ضاعت الأندلس بعد ثمانية قرون حين ضاع خط الدفاع الأول، واجتاح التتار الأمة الإسلامية حين ضعف هذا الخط، بسبب البطانة الفاسدة والإقصاء وتغليب فئة على أخرى. وفي المقابل، لم يتحقق النصر إلا حين أعاد القائد صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله – بناء هذا الخط، بإصلاح الداخل، ومحاسبة البطانة الفاسدة، وتعزيز الوحدة الوطنية، بعد اجتثاث خلايا الولاء الخارجي، فكان النصر بحول الله.

ختاما…
ما يشهده العالم اليوم يثبت أن التفوق الحقيقي لا يقوم على القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية وحدها، بل على قوة الوحدة الوطنية، وتماسك العلاقة بين قيادات الأوطان وشعوبها.
فقد سقطت أوطان عريقة وقوية بسبب الإقصاء والظلم وسوء الإدارة، وتمكين قيادات أغلقت الأبواب، وأصمّت الآذان، وأغمضت العيون عن واقع الناس، وأصدرت قرارات تمس معيشة الفرد والتاجر والمجتمع، بعد إقصاء الكفاءات الوطنية باسم القانون. والعجيب أن بعض هذه القيادات تُقدَّم في وسائل التواصل وكأنها نموذج وطني لا شبيه له!.
نصيحة لذوي الشأن:
من لم يَعِ تحولات الإقليم والعالم وتداعياتها على المجتمعات والاقتصاد والانتماء والولاء، والجغرافيا والثقافة والتاريخ، فعليه أن يراجع دروس التاريخ الحاضرة والسابقة. فكل البلاء يبدأ من البطانة الفاسدة، ولا علاج له إلا باجتثاث أسباب الفساد والفاسدين، ثم تمكين أهل الكفاءة والولاء؛ فهم – بعد توفيق الله – خط الدفاع الأول للأوطان.

مسلم بن أحمد العوائد

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img