أحمد سعيد الشحري
في خضم النقاشات المتسارعة حول مستقبل الإسكان في المناطق الريفية، دائما ما تغيب أحيانًا حقيقة جوهرية وهي أن
الريف ( الجبل ) ليس مجرد مساحة جغرافية قابلة لإعادة التخطيط، بل منظومة حيّة تنبض بالذاكرة، وتختزن الهوية، وتؤمّن مصادر العيش. إن التعامل معه كأرض فارغة ليس مجرد خطأ تخطيطي، بل خلل في الفهم من الأساس. وأي تدخل لا يراعي هذا التوازن الدقيق، مهما حمل من شعارات التطوير، قد يتحول إلى اقتلاع ناعم للجذور.
لقد أثبتت التجارب القريبة أن الرهان على السياحة بوصفها البديل الاقتصادي الأوحد، رهان قصير الأمد. صحيح أن المواسم السياحية قد تخلق حراكًا اقتصاديًا لافتًا كـ ( جبجات – ضلكوت – رخيوت ) لكن أثرها غالبًا ما يكون مؤقتًا، بينما تبقى التبعات كتراجع في المراعي، تآكل في الغطاء النباتي، وضغط بيئي يتجاوز قدرة المكان على التعافي. فما نشهده في بعض المناطق الجبلية والساحلية ليس نموذجًا يُحتذى، بل جرس إنذار مبكر لضرورة إعادة التوازن بين الاستغلال والحماية
في المقابل، تقدم النماذج الزراعية والإنتاجية القائمة ( مزرعة رزات – مشروع أحمد الكثيري الزراعي – مزرعة قيرون حيريتي وبعض المشارع الفرديه ) دليلًا عمليًا على أن الاستثمار المستدام في الأرض أكثر جدوى وأطول أثرًا. فالزراعة والثروة الحيوانية ليستا بقايا ماضٍ تقليدي، بل ركيزتان لمستقبل اقتصادي متوازن، إذا ما أُحسن دعمهما وتطويرهما
وهنا تتجلى المفارقة فحين يُطرح ملف الإسكان الريفي ضمن أطر التخطيط الحديثة، يُفهم أحيانًا وكأنه صراع بين التقدم والمحافظة. لكن الحقيقة أن المسألة أعمق من هذا التبسيط فليست كل تنمية تُعد تنمية، وليست كل حداثة تقدمًا. فالتنمية التي تُقصي الطبيعة تخلق أزمات مؤجلة، والتي تُفرغ المكان من هويته تحوّله إلى فراغ بلا روح.
إن إخضاع البيئات المتنوعة — الجبلية منها والسهلية— لقالب تخطيطي واحد او أماكن معنونه ومحدده قد يُرتّب المكان، لكنه يُربك الحياة ورغم هذا الجدل، برز صوت المجتمع واضحًا؛ هادئًا، لكنا نجده حاسماً.
فالمجتمع الريفي لا يرفض التطوير، بل يرفض أن يكون على حساب هويته واستقراره لا يقول “لا للتنمية”، بل يقول: “نعم لتنمية تُشبهنا.”
خلال الفترة الماضية، عكست نقاشات المجتمع المحلي— بمختلف أطيافها— تمسكًا واضحًا بنظام الإسكان الريفي التقليدي؛ ليس لأنه مثالي، بل لأنه أثبت توازنه عبر الزمن. هذا النظام نشأ من فهم عميق لطبيعة المكان، ولم يُفرض عليه من خارجه، وقد نجح في تنظيم العلاقة بين الإنسان وأرضه، رغم ما شابه من بعض التحديات الإدارية التي يمكن معالجتها وتطويرها.
إن هذا النموذج لم يكن يومًا عائقًا أمام التنمية، بل كان صمام أمان يحفظ الموارد ويمنع الانفلات. ومن هنا، فإن الخيار الأكثر واقعية ليس إلغاؤه، بل تطويره كتحسين الإجراءات، تسريع المعاملات صرف الطلبات العالقة ، تعزيز الشفافية، ووضع ضوابط أكثر وضوحًا دون المساس بجوهره.
أما التحدي الأكبر، فيكمن في فتح مسارات قد يصعب إغلاقها لاحقًا كالتملك الفردي غير المنضبط، والبيع، والتنازل، والمضاربات. وإسناد إستثمارات لحهات خارجية فهذه ليست مجرد أدوات اقتصادية، بل تحولات عميقة قد تعيد تشكيل العلاقة التاريخية بين الإنسان وأرضه، وتُضعف الأعراف التي طلما شكّلت لعقود نظامًا اجتماعيًا فعّالًا، وإن لم تكن موثقًة إداريًا .
. فالقضية، في جوهرها، ليست إسكانًا بقدر ما هي اختيار بين نموذجين
الأول، نموذج سريع ومغرٍ، لكنه هش وقابل للتآكل، كتصنيف المناطق الريفية إلى سياحية أو تراثية بمعزل عن طبيعتها الحقيقية.
والثاني، نموذج متدرّج وأصيل، أكثر صبرًا، لكنه أعمق أثرًا وأطول بقاءً، قائم على التنمية الزراعية وتنمية الثروات الحيوانية وغيرها من الموارد المستدامة.
ورغم اختلاف وجهات النظر في طرق تقديم المقترحات ، فإن المجتمع المحلي حسم خياره بوضوح وحازم فهو يريد تنمية تُبقي الأرض حيّة، لا مشاريع تُنهيها. يريد استثمارًا مستدامًا، لا استهلاكًا عابرًا. يريد مستقبلًا ينتمي إليه، لا نموذجًا مستوردًا يُفرض عليه.
في النهاية، قد لا يحتاج هذا الملف إلى مزيد من النقاش والأحذ والرد فالتنمية هي هدف الجميع
وخاصة التي تُبنى من صوت المجتمع ، ومن فهم المكان، فهي وحدها القادرة على البقاء.
والريف… كما يبدو… أوصل رسالته بهدوء.


