راي اليوم …
صحيفة اليوم العمانية
في خطوة تعكس رؤية مركزه لمستقبل الاقتصاد الوطني، أعلنت محافظة ظفار مؤخرًا عن طرح 67 فرصة استثمارية عبر منصة «تطوير» في قطاع الأمن الغذائي (الزراعي والحيواني والسمكي والمائي)، تغطي مساحة تتجاوز 6455 فدانًا. هذا الإعلان ليس مجرد إجراء إداري روتيني، بل هو إشارة واضحة إلى أن ظفار باتت اليوم في مقدمة المحافظات العُمانية التي تُراهن على الاستثمار في «الغذاء» كمحرك حقيقي للتنمية المستدامة، وفقًا لأولويات رؤية عُمان 2040.
تتمتع محافظة ظفار بمقومات طبيعية نادرة تجعلها أرضًا خصبة للاستثمار في هذه القطاعات. فالرياح الموسمية (الخَرِيف) توفر رطوبة طبيعية ومياهًا وفيرة، والأراضي الشاسعة في مناطق النجد وثمريت وبقية المناطق تُعد مزارعًا محتملة لزراعة اللبان والمانجو والحمضيات والحبوب والبقوليات. أما الساحل الممتد على بحر العرب والمحيط الهندي لمسافة تزيد عن 560 كيلومترًا، فيمنح المحافظة إمكانيات هائلة في الثروة السمكية والاستزراع المائي. ولا ننسى الثروة الحيوانية التقليدية التي يمكن تطويرها بتقنيات حديثة لإنتاج الألبان واللحوم بجودة عالية وقيمة مضافة.
لماذا يُعد فتح آفاق الاستثمار في هذه القطاعات أمرًا حيويًا اليوم؟
أولاً: تعزيز الأمن الغذائي الوطني. فمع تزايد الطلب العالمي على الغذاء وتقلبات الأسعار، أصبح الاعتماد على الواردات مخاطرة استراتيجية. الاستثمار في ظفار يساهم مباشرة في رفع نسب الاكتفاء الذاتي، خاصة أن المحافظة ساهمت بالفعل بأكثر من 20.55 مليون ريال عُماني من إجمالي الاستثمارات المنفذة في مشروعات الأمن الغذائي (29 مليون ريال) حتى نهاية مارس 2026، وفق بيانات وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه.
ثانيًا: تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل. هذه القطاعات قادرة على استيعاب آلاف الشباب العُماني في مجالات الزراعة الذكية، والاستزراع السمكي، وتصنيع الأعلاف، والتسويق، واللوجستيات. كما أنها تُحيي المناطق الريفية وتقلل من الهجرة إلى المدن، وتُعزز دخل الأسر المعتمدة على الزراعة والرعي التقليدي.
ثالثًا: الاستدامة البيئية والاقتصادية. الاستثمار الحديث يتيح استخدام تقنيات الري الذكي، والطاقة المتجددة، والزراعة العضوية، مما يحافظ على الموارد المائية ويحمي البيئة. كما أنه يفتح أبواب التصدير إلى أسواق الخليج والعالم، خاصة في منتجات ذات ميزة تنافسية مثل اللبان العُماني أو الأسماك عالية الجودة.
رابعًا: القيمة المضافة للاقتصاد المحلي. تحويل المنتجات الخام (زراعية أو سمكية) إلى منتجات غذائية مصنعة داخل المحافظة يعني زيادة الدخل القومي، وخلق صناعات مساندة، وتعزيز الشراكة بين القطاع الخاص والحكومة.
إن طرح هذه الفرص الاستثمارية اليوم ليس خيارًا، بل ضرورة وطنية. ومع ذلك، فإن النجاح يتطلب تكامل الجهود: تبسيط الإجراءات، تقديم حوافز ضريبية وتمويلية مشجعة، تطوير البنية التحتية (طرق، موانئ، تخزين بارد)، وتوفير الدعم الفني والتدريبي للمستثمرين المحليين والأجانب.
ظفار، بما تملكه من تاريخ عريق في التجارة والزراعة والثروة البحرية، قادرة اليوم على أن تكون «واحة الغذاء» في سلطنة عُمان. فتح آفاق الاستثمار في هذه القطاعات ليس مجرد مشروع تنموي، بل هو استثمار في مستقبل أجيالنا، في أمننا الغذائي، وفي رخاء وطننا. الفرصة سانحة الآن… والمستقبل يبدأ من هنا.
رئيس التحرير …


