كتبه/ عيسى بن سالم بن علي البلوشي
صحار/ السبت 25/04/2026
يُعدّ جيل Z أحد أحدث الأجيال التي دخلت بقوة إلى المشهد الاجتماعي والمهني، ويُشار إليه غالبًا بأنه الجيل الذي وُلد في قلب التحول الرقمي. ووفقًا لمعظم الدراسات الديموغرافية، يبدأ هذا الجيل تقريبًا من مواليد عام 1997 ويمتد حتى نحو عام 2012، مع وجود اختلافات طفيفة بين الباحثين في تحديد الحدود الدقيقة. وقد جاء هذا الجيل بعد جيل الألفية (جيل Y)، ليحمل ملامح عصرٍ جديدٍ يتسم بالاتصال الدائم، والانفتاح العالمي، وتسارع تدفق المعرفة.
نشأ أفراد جيل Z في بيئة لم تعرف الانفصال عن التكنولوجيا؛ فقد تزامنت طفولتهم مع انتشار الإنترنت، وظهور الهواتف الذكية، وصعود وسائل التواصل الاجتماعي، مما جعلهم أول جيل رقمي بالكامل. هذا السياق التاريخي لم يؤثر فقط في أسلوب حياتهم، بل أسهم في تشكيل أنماط تفكيرهم، وتوقعاتهم من التعليم والعمل، وحتى نظرتهم إلى الهوية والانتماء.
ومن هنا، فإن فهم جيل Z لا يقتصر على معرفة سماته السلوكية، بل يتطلب إدراك الإطار الزمني والثقافي الذي نشأ فيه إطارٌ أعاد تعريف مفاهيم التواصل، والتعلّم، والقيادة في عالمٍ لا يتوقف عن التغيّر.
ففي زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات وتتداخل فيه الحدود بين الواقع والافتراضي، يبرز جيل Z بوصفه ظاهرة إنسانية وثقافية قبل أن يكون مجرد تصنيف عمري. هذا الجيل، الذي نشأ في حضن التكنولوجيا وتشكّلت ملامحه في فضاء رقمي مفتوح، لا يكتفي بالتكيّف مع العالم… بل يسعى إلى إعادة تشكيله وفق منظوره الخاص.
أولى سماته اللافتة هي الوعي المتقدّم؛ وعيٌ لا يرتبط بالعمر بقدر ما يتغذّى من انفتاح غير مسبوق على المعلومات. لم يعد إدراك القضايا الكبرى كالاستدامة، والعدالة، والهوية حكرًا على النخب أو المراحل المتأخرة من العمر، بل أصبح جزءًا من التكوين المبكر لهذا الجيل.
لذلك، لا ينظر جيل Z إلى العمل كغاية اقتصادية فحسب، بل كمساحة لتحقيق القيم والانتماء. إنهم يبحثون عن أثرٍ يوازي الجهد، وعن معنى يتجاوز الراتب.
ومن بين ملامحه الجوهرية أيضًا الألفة مع التكنولوجيا دون انبهارٍ بها. فالتقنية بالنسبة لهم ليست اكتشافًا، بل امتدادًا طبيعيًا لوجودهم اليومي. ومع ذلك، لا يقعون في فخ التسليم المطلق لها؛ بل يتعاملون معها بوعي نقدي، يدركون من خلاله أبعادها الخفية وتأثيراتها المتشابكة. هذه العلاقة المتوازنة تمنحهم قدرة فريدة على التفاعل الذكي مع الأدوات الرقمية، دون أن يفقدوا حسّهم الإنساني.
وفي بيئات العمل، يتجلّى جيل Z عبر مرونة ذهنية وسرعة تعلّم لافتتين. فهم يميلون إلى التجربة المباشرة، ويُفضّلون استكشاف الحلول بدل انتظار التعليمات التفصيلية. لا تعني هذه السرعة تسرّعًا، بل تعكس نمطًا مختلفًا في معالجة المعرفة، قائمًا على التقاط الفكرة وتطويرها في آنٍ واحد. إنهم أبناء التعلّم المستمر، لا التعلّم المرحلي.
أما في التواصل، فيتسم خطابهم بـالاختزال الواعي؛ لغة مكثفة، واضحة، ومشحونة بالمعنى. يبتعدون عن الزخرفة اللفظية التي لا تضيف قيمة، ويميلون إلى التعبير الصادق المباشر. وهذا لا يدل على سطحية، بل على حسّ عالٍ بأهمية الوقت والوضوح. إنهم يفضّلون الحقيقة المختصرة على البلاغة الممتدة.
ومن أبرز ما يميّز هذا الجيل أيضًا إدراكه العميق لأهمية الصحة النفسية. في عالمٍ يزداد فيه الضغط والتنافس، لا يتردد جيل Z في طرح الأسئلة الصعبة حول التوازن، والاحتراق الوظيفي، وجودة الحياة. هم لا ينفصلون عن العمل، لكنهم يرفضون أن يذوبوا فيه. لذلك، يميلون إلى بيئات عمل تُقدّر الإنسان، وتمنحه مساحة للنمو دون استنزاف.
غير أن هذه الخصائص قد تُساء قراءتها أحيانًا؛ إذ يُوصف جيل Z بقلة الصبر أو النزوع إلى التغيير السريع. إلا أن هذه السمات، في جوهرها، تعبّر عن وعيٍ بمعايير جديدة للرضا والإنصاف. فهم لا يقبلون الاستمرار في بيئة لا تُنصت لهم، ولا يترددون في البحث عن بدائل أكثر انسجامًا مع تطلعاتهم. إنهم لا يرفضون الالتزام، بل يعيدون تعريفه.
وفي السياق القيادي، يتبنّى جيل Z مفهومًا مختلفًا للقيادة، قائمًا على التأثير لا السلطة، وعلى المصداقية لا الرسمية. القائد في نظرهم ليس من يملك القرار فحسب، بل من يملك القدرة على الإلهام، والاستماع، وبناء الثقة. إنها قيادة تتشكّل من الداخل، لا تُفرض من الأعلى.
في المحصّلة، لا يمكن اختزال جيل Z في صورة نمطية أو حكم سريع. إنه جيل متعدد الأبعاد، يحمل في داخله تناقضات العصر نفسه: السرعة والعمق، الرقمية والإنسانية، الفردية والانتماء. ومن يسعى إلى فهمه، لا يحتاج إلى أدوات معقّدة بقدر ما يحتاج إلى إنصاتٍ حقيقي، واستعدادٍ لإعادة النظر في مسلّماتٍ طالما اعتُبرت بديهية.
إن جيل Z لا يطلب عالمًا مثاليًا… بل يعمل، بطريقته الخاصة، على جعله أكثر صدقًا.


