بقلم: فايل المطاعني (الحكواتي)
الفصل الخامس
الحُلم
كانت ليلةً قمرية، وكأن القمر اختار أن يشارك العروس فرحتها.
الزينة والورد في كل زاوية، والمصابيح الملوّنة تتدلّى على جدران البيت كأنها نجومٌ صغيرة هبطت لتشهد تلك الليلة.
أهل العروس وصديقاتها وقفوا مأخوذين بأناقة مزون، التي اختارت فستانًا أبيض بسيطًا في تفاصيله، مهيبًا في حضوره، وتزيّنت طرحتها بزهرة لوتس صغيرة، بينما استقر فوق رأسها تاجٌ مرصّع بإكسسوارات ناعمة، وكان ذيل فستانها طويلًا حتى احتاج إلى طفلتين صغيرتين لحمله خلفها.
لكن مزون…
لم تكن بخير.
رغم ابتسامتها التي كانت تحاول أن تبدو كاملة، كان في عينيها شيءٌ آخر؛ شيءٌ يشبه الغياب وسط الحضور، وكأن قلبها لم يكن في تلك الغرفة، بل في مكانٍ لا يعرفه سواها.
كانت تشغل نفسها بالاتصالات والرسائل؛
مرةً مع صديقتها يسرى،
ومرةً مع ابنة خالتها هيفاء.
كتبت لهيفاء:
— أين أنتِ؟ الناس كلهم وصلوا، وتجهيزات الملكة خلصت، ووينك أنتِ؟ ويسرى بعد أنتظرها تصورنا مع بعض.
جاء الرد سريعًا:
— إن شاء الله جاية، بس أنتظر الوالد يخلص عشاءه، تعرفين حالته ما تسمح أتركه قبل ما أطمن عليه.
تأملت مزون الشاشة قليلًا، ثم كتبت:
— هيفاء… في شيء لازم أقولك إياه، بس مو برسالة… لازم أشوفك.
توقفت هيفاء لحظة قبل أن ترد:
— خير؟ وش فيك؟
أجابت مزون بعد تردد:
— تعالي بسرعة… الموضوع ما ينقال كتابة.
شعرت هيفاء بأن شيئًا ما يختبئ خلف الكلمات، فسألت مباشرة:
— بخصوص أم محمد؟
ابتسمت مزون ابتسامة باهتة، ثم كتبت:
— أم محمد بتكون موجودة… لكن مو هذا اللي مقلقني. تعالي وأنا أقولك.
قبل أن تكتمل الرسائل، انفتح الباب، ودخلت يسرى تحمل كاميرتها، فدخل معها شيءٌ من البهجة إلى الغرفة.
رفعت مزون رأسها وقالت بابتسامة حاولت أن تكون طبيعية:
— أحلى شيء إنك أنتِ اللي راح تصوريني… ما شاء الله عليكِ شاطرة.
لكن يسرى، بعين الصديقة، لم ترَ الفستان أولًا…
بل رأت التعب.
اقتربت منها وهمست:
— وجهك مرهق… في شيء؟
خفضت مزون عينيها وقالت بصوتٍ خافت:
— ما نمت البارحة.
ابتسمت يسرى برفق:
— طبيعي… توتر عرس، وخوف من بداية جديدة.
نهضت مزون ببطء، وأغلقت الباب خلفهما، ثم جلست على الأريكة واضعةً يدها على خدها، وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
— من أسبوعين… وأنا أحلم نفس الحلم.
مو كل ليلة… لكن يرجع.
كل يومين… نفس الحلم.
نفس المكان…
ونفس الخوف.
نظرت إليها يسرى بصمت.
وأكملت مزون، وكأن الكلام خرج أخيرًا من صدرٍ مثقل:
— أشوف نفسي لابسة هذا الفستان…
وأمشي وسط الناس…
لكن ما أشوف وجوههم.
كلهم بدون ملامح.
كأنهم ظلال واقفة تتفرج عليّ.
توقفت، وارتجفت أناملها.
— وفجأة… أسمع أحد يناديني باسمي.
صوت امرأة.
صوت أعرفه… لكن ما أقدر أتذكره.
رفعت رأسها نحو يسرى، وعيناها ممتلئتان بالقلق:
— وكل مرة… قبل ما ألتفت لها…
أصحى.
صمتت قليلًا، ثم همست:
— وأنا قلقة.
قلقة بطريقة مو طبيعية.
وفي تلك اللحظة…
طُرق الباب.
دخلت والدتها نصراء، تحمل مبخرة في يد، وفي اليد الأخرى قبضةً من الملح.
وضعت المبخرة على التسريحة، وبدأت تنثر الملح في زوايا الغرفة وهي تردد بصوتٍ خافت:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾
كانت تفعل ذلك بقلب الأم، لا بعادة النساء؛
كأنها تريد أن تحمي ابنتها من شيءٍ لم تره… لكنها شعرت به.
اقتربت من مزون، وضمت وجهها بين كفيها، وقالت بصوتٍ اختلط فيه الفرح بالحزن:
— كبرتي يا مزون…
وصرتِ عروسًا.
ثم ابتسمت رغم دمعتها:
— أمس كنتِ تركضين في البيت خلفي…
واليوم بتروحين بيتًا ثانيًا.
في تلك اللحظة…
سُمع سعالٌ خفيف عند الباب.
التفتت الأم.
والتفتت يسرى.
ورفعت مزون رأسها ببطء.
وكانت هناك…
هيفاء.
دخلت بهدوء، وملامحها تحمل قلقًا لا يشبه قلق المناسبات،
وكأنها جاءت وهي تشعر أن شيئًا ما في هذه الليلة
لن يبقى كما كان.
ساد صمتٌ قصير في الغرفة…
لكن ذلك الصمت
كان أثقل من الكلام.
يتبع…


