حين يخذلنا العيد… وتحتوينا السماء

نشرت :


بقلم: نوال إدريس


حين يلبس العيد وجهًا لا يعرفه القلب
وهكذا تبدأ الحكايات…
حين لا يبقى للحب جواب، ولا للصمت نهاية،
ويبقى القلب واقفًا بين “كان” و“لم يعد”.
أيها الأحبة…
جاء العيد،
جاء كعادته متأنقًا بالبهجة، يوزّع الفرح على النوافذ، ويُقنع العالم أن كل شيء على ما يُرام.
لكن في بعض البيوت…
لا يسمع القلب ضجيج الفرح،
بل يسمع صدى ما انكسر داخله.
أنا بنت المختار… وهذه حكايتي.
تزوجت منذ ثلاثة عشر عامًا،
وانتقلت إلى بلاده، حيث ظننت أن الحياة ستمنحني استقرارًا يشبه الأمان.
هناك…
عشت الحب كما يُكتب في الكتب القديمة،
هادئًا، عميقًا، ممتدًا كأن لا نهاية له.
كان زوجي عالمي…
وكانت أيامي تدور حوله كما تدور الأرض حول شمسها.
كنت أراه الشمس… والقمر… وكل الجهات.
ثم…
بدأت الحكاية تتغيّر دون صوت.
لا إعلان…
لا إنذار…
فقط فراغ يتسلل بهدوء إلى كل شيء.
ثم جاء ما لا يُقال بسهولة: الرحيل…
رحيلٌ لم يُغلق بابًا فقط، بل أغلق شعورًا كاملًا كان اسمه “نحن”.
رحل…
رحل…
رحل…
حتى صار اسمه في داخلي صدى بعيدًا، لا يصل ولا يُجاب.
وفي تلك الليلة… ليلة العيد…
لم يكن الليل ككل ليلة،
كان ثقيلاً… كأن السماء وضعت يدها على صدري.
بكيت كثيرًا…
حتى لم أعد أعرف: أأنا أبكي، أم أنني أتنفّس وجعًا؟
وحين جاء الصباح…
استيقظت عند السابعة والربع.
قمت مذعورة…
كأن شيئًا أيقظني من أعماق لا تُرى.
وقفت في مكاني…
وسألت نفسي بصوتٍ خافت:
“أين أنا؟”
ثم جاء الإدراك ببطء…
كأنه يمشي فوق جرحٍ مفتوح:
“إنه العيد…”
وانفجر الصوت من داخلي قبل أن أستوعب:
“إنه عيد… أين زوجي؟”
ركضت في البيت…
أناديه كمن ينادي ظلّه الضائع:
“أين أنت؟ كيف تتركني في يوم العيد؟”
لكن البيت كان أوسع من صوتي… وأقسى من احتمالي.
لا جواب…
لا صدى…
إلا اسمي يعود إليّ كأنه غريب.
فتحت النافذة…
وهنا توقفت الحكاية لحظة.
الشارع ممتلئ برجالٍ بملابس بيضاء، عائدين من صلاة العيد.
الضحكات تمشي في الهواء…
والحياة تمضي كأنها لم تفقد أحدًا.
أما أنا…
فكنت أقف بين عالمين:
عالم يحتفل…
وعالم ينكسر بصمت.
قلت لنفسي:
كيف يكون عيد… وأنا وحدي؟
وأين هو؟
أين من كان عيدي، وصباحي، ومساءي، وملاذ قلبي لثلاثة عشر عامًا؟
أغلقت النافذة…
لكن الدموع لم تُغلق.
وسقط صوتي بين يديّ:
“الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر…”
وصلّيت… وأنا أبكي،
لا أدري أأصلّي… أم أُسند قلبي إلى الله.
ثم…
وهنا تبدأ رحمة الله تمشي بخفة داخل الحكاية.
يدٌ امتدت… لا تُرى، لكنها تُحس.
صديقة مغربية أصرت ألا أبقى وحدي.
أمّ تبكي في الهاتف كأن قلبي وصلها دون شرح.
جيران فتحوا أبوابهم كأن العيد لا يكتمل إلا بوجودي بينهم.
وأصدقاء من اليمن احتضنوني كأنني منهم منذ البداية.
وفي كل وجه…
كان الله يقول لي بصمت:
“لستِ وحدك.”
لكن…
حتى وسط كل هذا الاحتواء،
كان في داخلي شيء لم يلتئم بعد.
كنت أبتسم لهم…
وأعود وحدي إلى صدري.
ومرت الساعات…
ولم يعد العيد عيدًا، بل سلسلة زيارات من الرحمة.
حتى جاءت امرأة…
دخلت كأنها باب من الطمأنينة: أم اليقين.
امرأة عظيمة، فيها شيء يشبه الوطن حين يفيض حنانًا،
دفءٌ يصل إلى القلب دون استئذان،
وصدقٌ يُرمّم ما لا يُرى من الكسور.
احتضنتني… وبكت معي…
وكأنها تقول دون كلمات: “أنا هنا… فلا تخافي.”
لم تكن عابرة في الحكاية،
بل كانت سكينة تمشي على هيئة إنسان،
وكان في حضورها لطفٌ يشبه دعاءً مستجابًا.
أمًّا خفيّة تمسح على قلبي،
وتجمع شتاتي برفقٍ لا يُشبه إلا الطمأنينة.
ففي قربها…
لم أشعر أنني فقدت،
بل شعرت أن شيئًا في داخلي
يُعاد إلى مكانه الصحيح… بهدوء.
وفي زاوية أخرى من الحكاية…
كان هناك صوت بعيد، لا يعرفني وجهًا، لكنه يعرفني وجعًا.
كان يقول لي:
“كوني قوية… لأنك خُلقتِ لتكوني قوية.”
“وسيرى الله حقك يومًا، وأنتِ على هذه الأرض.”
وكان يذكّرني أن الخير لا يموت في الناس،
حتى لو جرحنا بعضهم.
أيها الأحبة…
الحكاية لا تنتهي هنا.
فما زلتُ في طريقٍ طويل،
طريق لم يُحسم بعد،
وفيه من الألم ما يكفي لليالٍ كثيرة.
لكنني تعلمت شيئًا واحدًا في هذا العيد:
أن الإنسان قد يُخذل…
لكن لا يُترك إن كان مع الله.
وأن الأبواب حين تُغلق في وجهك من بشر…
تُفتح لك من جهة لا تراها.
لم يكن هذا عيد فرح…
بل عيد كشف.
كشف لي أن الخذلان لا يقتل القلب…
بل يعلّمه كيف ينجو.
وأن رحمة الله…
حين تتنزّل، تُعيد ترتيب العالم داخل الإنسان من جديد.
وكل عام…
وكل يدٍ مسحت دمعتي بخير،
وكل قلبٍ احتواني دون سؤال،
وكل روحٍ قالت لي: “لستِ وحدك”… بخير.
وكل عام وأمي بخير،
وأهلي بخير،
وكل من مرّ في حكايتي وترك فيها أثر رحمة… بخير.
بقلم . نوال ادريس

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img