الكاتب :محمد بن عبدالله الراسبي
التاريخ: ٢٩ ابريل ٢٠٢٦
اليوم ،ومع قدوم مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق إلى جنوب الشرقية مرورًا بالكامل والوافي ووصوله إلى ولاية صور ليس حدثًا يُقاس بزمنه، ولا تُختزل دلالاته في كونه مرورًا عابرًا أو برنامجًا رسميًا ضمن جدول زيارات، بل هو محطة وطنية من محطات عُمان متعددة الأبعاد، تتداخل فيها السياسة بالتنمية، والرمزية بالواقع، والتاريخ بالحاضر.
فالزيارة في جوهرها ليست فقط تفقدًا تقليديًا، ولا مجرد حضور بروتوكولي، بل قراءة ميدانية لحال الوطن والمواطن، ووقفة مباشرة على ما تحقق من منجزات، وما يتطلبه المستقبل من استمرارية وتطوير. إنها تعكس نهجًا قياديًا يقوم على القرب، وعلى إدراك التفاصيل، وعلى أن الحكم ليس إدارة من بعيد، بل مشاركة وجدانية، وإشراف، ومتابعة عملية في مسيرة البناء.
إن كل ولاية تحظى بمرور سلطان البلاد، إنما تعيش لحظة استثنائية، ومفردات وطنية، ليس لأنها فقط ترى قائدها وملهمها، بل لأنها تستشعر حضوره في تفاصيل حياتها اليومية، وتدرك أن ما تحقق فيها من تنمية لم يكن بمعزل عن هذا الاهتمام المستمر لجلالته. فالزيارة هي، في أحد وجوهها، رسالة تأكيد بأن مسيرة النهضة مستمرة، وأن الإنسان العُماني يظل في صدارة الأولويات، وتسخير الممكنات له من فقه الدوام والتقدم في سياسة جلالته.
إن هذه الزيارة السلطانية تعيد التأكيد على مفهوم “الدولة القريبة”، التي لا تكتفي بالتخطيط من المكاتب، بل تحرص على الحضور في الميدان، وعلى ملامسة الواقع كما هو، وعلى الاستماع والنظر المباشر أو غير المباشر لما تعكسه وجوه الناس وملامحهم من رضا أو تطلع من خلال ما سيرسمه طريق موكب مولانا. فالحضور هنا لا يلخص كلمات السمو الوطني فحسب، بل هو أداة فهم، ووسيلة تقييم، وجسر يربط بين القائد وشعبه قبل أن يكون بين القرار والتنفيذ.
بمجرد مرور موكب جلالته بولاية الكامل والوافي بطريق السلطان تركي بن سعيد متجهًا إلى صور العفية، فهي بشرى وفخر ولحظة تاريخية يجب أن تدون. ستخرج الولاية عن بكرة أبيها ترحيبًا، لتزف مرور الموكب السامي بقلوب أهلها ووفاء أبنائها، وبما تحمله الولاية من إرث حضاري وتراثي وبيئي.
لن تكتفي باستقباله بالاصطفاف والرزحة وطرح الورود والتلويح بيد الطاعة والولاء، بل ستستقبله أرضها فرحًا بتعابير بيئتها وخصوبة أرضها وسلة غذائها، من خلال غزلان السليل، وجمالها، والخيول العربية وأصالتها، وغابات شجر السمر المتشابكة، وأشجار السدر المتناثرة كتناثر عطاء جلالته في ربوع الوطن. ستستقبله بأفلاجها الداؤودية، وحصونها، وأبراجها، وأسوارها المحصنة، وبنخيلها الباسقة التي ستلوح في الأفق مرحبة بالموكب الميمون، وبشموخ جبل قهوان الراسخ، رمز الثبات والولاء وحب الوطن. كل ذلك المشهد إنما يعكس عمق الانتماء وصدق المشاعر وذروتها.
مدينة صور العريقة، محطة قدوم جلالة السلطان هيثم، ليست مجرد موقع جغرافي ضمن مسار الزيارة، بل هي عنوان لذاكرة بحرية عريقة، ومهد لحضارة ارتبطت بالانفتاح والتواصل مع العالم. إنها مدينة الصواري التي حملت رسائل عُمان إلى الآفاق، واحتفظت في الوقت ذاته بهويتها الأصيلة. وهي اليوم تمثل نموذجًا حيًا لمدينة تجمع بين عبق التاريخ وروح الحاضر، ووصول جلالته إليها فخر لكل صوري من رأس الحد إلى ضباب، مرورًا بطيوي وفنس الساحرتين.
زيارة جلالته ومروره بهذه الولايات وغيرها ليست زيارة تُروى، بل معنى يُعاش. إنها لحظة تختصر محطة تواصل، ورسالة قائد، وتجديد عهد. إنه تأكيد على أن ما يجمع العُمانيين بقيادتهم ليس فقط الإطار الرسمي، بل رابط أعمق من ذلك، قوامه الانتماء في علاقة فريدة بين قائد وشعب، علاقة مترسخة في كل لقاء، ومع كل خطوة في مسيرة هذا الوطن.
في لوحة هذا المشهد الوطني تتجسد خصوصية التجربة العُمانية، التي توازن بين أصالة التقاليد والسمت العُماني ومتطلبات الدولة الحديثة، في إطار من الحكمة والاعتدال أساسه التواصل. فهنيئًا لنا ولوطننا بسلطاننا هيثم ، وهنيئًا للعالم أجمع بحنكته وقيادته..


