السياسة العمانية سياسة العقل السياسي

نشرت :

راي اليوم


صحيفة اليوم العمانية …

ان سياسة العقل السياسي في سلطنة عمان تشير إلى النهج الدبلوماسي والسياسي العماني الذي يعتمد على الحكمة، الواقعية، التوازن، والحياد الإيجابي، بعيدًا عن العواطف والاستقطابات الحادة يُوصف هذا “العقل السياسي” بأنه مزيج معقد بين الاستقلال عن المحاور الإقليمية والانخراط الفعال في قضايا المنطقة، مدعومًا بميراث حضاري وتاريخي عريق. وتقوم السياسة الخارجية العمانية على رؤية واضحة أعلنتها وزارة الخارجية “عمان صديق للجميع”، مع التركيز على عناصر وثوابت مهمه منها الحوار والتسامح كمبادئ توجيهية و عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحسن الجوار والتعايش السلمي ان الحياد الفاعل (أو الحياد الإيجابي) الذي لا يعني العزلة، بل يتيح دور الوسيط الموثوق. هذا النهج ليس جديدًا؛ إنه امتداد لتاريخ عمان البحري والتجاري (من مجان إلى الإمبراطورية العمانية في شرق أفريقيا) و في العصر الحديث أرسى السلطان قابوس بن سعيد (طيب الله ثراه) أسسه، واستمر السلطان هيثم بن طارق على الخط نفسه مع تطوير يركز على التنمية الاقتصادية والشباب.
ان هذا النوع من السياسة له سمات رئيسية منها البراغماتية (الواقعية العملية) حيث لا يبالغ عمان في تقدير قدراتها ولا في نوايا الآخرين و يركز على المصالح الوطنية طويلة الأمد مثل الأمن والاستقرار والنمو الاقتصادي، بدلاً من الشعارات العاطفية أو التحالفات الأيديولوجية كما ان التوازن بين القوى عمان تحافظ على علاقات جيدة مع الجميع — الولايات المتحدة، الصين، إيران، السعودية، بريطانيا، والهند رغم التوترات الإقليمية وموقعها الاستراتيجي على مضيق هرمز يجعل هذا التوازن ضروريًا لأمنها.

دور الوساطة والذي اشتهرت عمان بدورها فيه المفاوضات النووية الإيرانية (2013-2015) و تبادل الأسرى والرسائل بين الولايات المتحدة وإيران و محاولات تهدئة التوترات في اليمن والخليج. هذا الحياد يمنحها مصداقية لأنها لا تصطف مع طرف ضد آخر.
ان التوافق بين القول والفعل امر ثابت وراسخ في نهجة سلطنة عمان لا ترفع شعارات في العلن ثم تخالفها سرًا و سياستها شفافة ومبنية على مبادئ أخلاقية إلى جانب البراغماتية، مثل دعم العدالة الدولية والقضايا الإنسانية دون تسييس مفرط. كما ان التركيز على الاستقرار الداخلي في “العقل السياسي” يربط السياسة الخارجية بالداخلية و الحفاظ على الوئام الاجتماعي والتنمية يتطلب بيئة إقليمية هادئة.
في عالم مليء بالاستقطاب والصراعات (غزة، اليمن، التوتر الإيراني-السعودي السابق، المنافسة الأمريكية-الصينية)، يُرى “العقل السياسي” العماني كنموذج للعقلانية: ينتصر العقل على العاطفة، والمصلحة طويلة الأمد على الربح الآني. هذا النهج ليس مثاليًا دائمًا، وقد يواجه تحديات مع تغير التوازنات الإقليمية أو الضغوط الاقتصادية، لكنه أثبت مرونته عبر عقود ويظل يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة السياسة الدولية كفن في إدارة المصالح والاختلافات بسلام قدر الإمكان.
في التصعيد الإقليمي الأخير (الحرب المرتبطة بإيران-إسرائيل-أمريكا في 2026)، تعرضت عمان لهجمات “غادرة وجبانة” (كما وصفتها وزارة الخارجية) لم يعلن أي طرف مسؤوليتها بشكل مباشر. شملت ذلك:
تواجه عمان حملات تشويه مستمرة من مواقع مختلفة منها اتهامات بدعم الحوثيين أو إيران (خاصة في سياق اليمن) وحملات من “يمين متطرف” أو إعلام بعض الدول الخليجية، تتهمها بالانحياز أو “الخيانة” لموقفها من غزة أو إيران وتزييف صور وفيديوهات، وهجمات إلكترونية قديمة وحديثة. وعمان لا ترد بمستوى التشويه نفسه؛ بل تؤكد مبادئها (عدم التدخل، حسن الجوار، الحوار) هذا يعزز مصداقيتها طويلة الأمد، مقابل فقدان المهاجمين لها مع الوقت. كما ان تفضيل الحكمة على “الضجيج الإعلامي” امر ثابت في سياسة العقل السياسي العماني .

اما دور المواطن ليس متفرجًا؛ فـ”العقل السياسي” يعتمد على الجبهة الداخلية القوية دوره الرئيسي الوعي والانضباط و تجنب نشر الشائعات أو الردود العاطفية المستفزة التي قد تُستغل لتصوير العمانيين كـ”مؤيدين لطرف ضد آخر” وزارة الإعلام دعت صراحة للمسؤولية على وسائل التواصل، والاعتماد على المصادر الرسمية فقط لتجنب الاستفزاز. كذلك من واجبنا كمواطنين الدفاع عن الهوية الوطنية و التمسك بقيم التسامح والحكمة، وعدم الوقوع في فخ الاستقطاب (مثل اتهام “الذباب الإلكتروني” من أي جهة) ووجوب دعم سياسة السلطنة بالفهم العميق والمساهمة الإيجابية في نشر الحقائق بهدوء، دعم الوحدة الوطنية، والتركيز على الإنجازات الداخلية (التنمية، الأمن، التعليم …). بعض المواطنين يرون أن “الصبر والحكمة” أفضل رد، حتى لا يُحسب العماني ضمن أي محور هذا مع تجنب الانتقادات الداخلية الحادة التي قد تضعف الجبهة أمام الخارج، مع الحفاظ على حرية الرأي المسؤولة والرد الموزون من قبلهم في أي موقع اعلامي او وسيله ، في النهاية سياسة العقل السياسي نجحت نسبيًا في احتواء الخسائر، لأنها تحول الحياد من “ضعف” إلى قوة (مصداقية الوسيط) ان الوعي يحمي السياسة من الاستغلال، والوحدة تحول الهجمات إلى فرصة لتعزيز الهوية الوطنية ويجب ان يكون شعارنا على الدوام “الجبهة الداخلية أولاً”.

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img