في مرافئ الأمان.. حيث لا مُداراة

نشرت :

ما أثقل الحياة حين نمشي فيها على رؤوس الأصابع، نحسب للكلمة حسابها، وللنظرة تأويلها، وللصمت ألف تفسير.
نخشى أن نوقظ عتابًا، أو نثير سوء فهم، أو نخسر ودًّا لم يحتمل عفويتنا.
تلك العلاقات التي تُرهقنا بالحذر، ليست دفئًا يُؤوى إليه، بل غربة تتخفّى في هيئة قرب.

يُنسب إلى الإمام الإمام الشافعي قوله: “ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.”
وهي كلمة تختصر الكثير؛ فالمحبة الصادقة لا تُبنى على التكلّف، والصحبة الحقيقية لا تحتاج إلى أقنعة.
من أحبك بصدق، أحبك كما أنت، لا كما تتصنع أن تكون.

ما أقصر العمر من أن نُضيّعه في تمثيل النسخ المقبولة منا، وفي تجميل أرواحنا لننال رضا الآخرين.
الإنسان يتعب حين يظل حارسًا على كلماته، مراقبًا ملامحه، خائفًا من زلّة عفوية تُسقطه من عين أحد. أما مع أهل الصدق، فإنه يعود إلى طبيعته الأولى؛ بسيطًا، هادئًا، بلا حواجز ولا ارتباك.

الصديق الحقيقي ليس من تُحسن الوقوف أمامه، بل من ترتاح في الجلوس معه.
ليس من تُبهره أناقتك، بل من يحتمل فوضاك. ليس من يصفق لصورتك، بل من يحنو على حقيقتك. ذاك الذي إذا حضرت عنده، سقط عن كتفيك حمل المجاملة، وشعرت أن روحك عادت إلى بيتها.

العلاقات خُلقت لتكون سكينةً بعد صخب العالم، لا جبهةً أخرى من جبهات التعب. فمن سرق منك طمأنينتك، وأجبرك أن تعيش متوترًا لتنال قبوله، فهو عابر طريق، وإن طال بقاؤه.
أما من منحك الأمان، واحتضن ضعفك قبل قوتك، وعفويتك قبل ترتيبك، فهو نعمة تستحق الشكر.

فابحث عن الذين لا تحتاج معهم إلى شرح نفسك كثيرًا، ولا إلى الاعتذار عن طباعك دائمًا، ولا إلى ارتداء ثياب المجاملة كلما لقيتهم. ابحث عن مرافئ الأمان، حيث يُقبل صدقك كما هو، وتُصان روحك من عناء التكلّف.

اللهم ارزقنا صحبةً تُشبه الوطن، إذا ضاقت بنا الدنيا اتسعوا لنا، وإذا أثقلتنا الحياة خفّفوا عنا، وإذا تكسّر فينا شيء رمّموه بمحبتهم.

أحمد الفقيه العجيلي

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img