إيمان بنت الصافي الحريبي
في عصرٍ تتسارع فيه الصورة قبل الحقيقة، وتنتشر فيه الانطباعات أسرع من الوقائع، لم يعد الوهم فكرة عابرة أو خيالًا مؤقتًا، بل أصبح صناعة متقنة تُدار بذكاء عبر الإعلام، والإعلانات، ومنصات التواصل الاجتماعي، وحتى عبر بعض العلاقات الإنسانية التي تقوم على التجميل أكثر من الصدق، وعلى الاستعراض أكثر من الجوهر.
فالإنسان المعاصر يعيش اليوم وسط سيلٍ من الصور المصنوعة بعناية؛ نجاحات مثالية، وحياة مترفة، وسعادة دائمة، وأفكار تُقدَّم على أنها حقائق مطلقة، حتى أصبح التمييز بين الواقع والزيف مهمة تحتاج إلى وعيٍ وبصيرة. والأخطر من ذلك أن كثيرًا من الناس لا يكتفون بتصديق الوهم، بل يتحولون إلى أدوات في صناعته وتسويقه والدفاع عنه.
وقد تناول المفكر الجزائري مالك بن نبي هذه الإشكالية بصورة عميقة حين تحدث عن «القابلية للاستعمار»، موضحًا أن أخطر أنواع الهيمنة تبدأ من الداخل، عندما يفقد الإنسان وعيه النقدي ويصبح مهيأً لتلقي الأفكار والصور دون تمحيص. فالمجتمع الذي يضعف وعيه يصبح بيئة خصبة لكل أشكال التضليل الفكري والثقافي والإعلامي.
وفي السياق ذاته، يرى الفيلسوف الفرنسي غي ديبور في كتابه «مجتمع الاستعراض» أن الإنسان الحديث لم يعد يعيش الحقيقة كما هي، بل يعيش صورًا مصنوعة عنها، حيث يتحول كل شيء إلى عرض بصري؛ النجاح، والجمال، وحتى المشاعر الإنسانية. وهنا يصبح المظهر أهم من الجوهر، والانطباع أقوى من الحقيقة.
أما عالم الاجتماع علي الوردي فقد أشار إلى التناقض الاجتماعي الذي يدفع الإنسان أحيانًا إلى رسم صورة مثالية عن نفسه تختلف عن واقعه الحقيقي، فيمارس نوعًا من التجميل الاجتماعي حفاظًا على مكانته أمام الآخرين، حتى وإن كانت تلك الصورة بعيدة عن الحقيقة.
وتتجلى صناعة الوهم اليوم بوضوح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت قيمة الإنسان لدى البعض تُقاس بعدد المتابعين، وحجم الظهور، ومقدار التفاعل، لا بعمق الفكرة أو جودة الأثر. وهنا تنشأ ضغوط نفسية واجتماعية هائلة، خصوصًا لدى الشباب، الذين قد يظنون أن الجميع يعيش حياة كاملة ومثالية سواهم.
ولا يقتصر الوهم على الأفراد فقط، بل يمتد إلى الإعلام والسياسة والاقتصاد، حيث تُصنع أحيانًا سرديات ضخمة لتوجيه الرأي العام، أو تلميع شخصيات، أو تضخيم إنجازات لا تصمد طويلًا أمام اختبار الواقع.
وفي خضم هذا العالم المتخم بالصور، يبرز السمت العُماني بوصفه قيمة أخلاقية واجتماعية تمثل حماية طبيعية من ثقافة الوهم والاستعراض. فقد عُرف الإنسان العُماني عبر تاريخه بالبساطة، والاتزان، والتواضع، والابتعاد عن المبالغة في القول والمظهر، وهي صفات صنعت مجتمعًا يميل إلى الجوهر أكثر من الضجيج، وإلى الحقيقة أكثر من البهرجة.
كما أن البيئة العُمانية القائمة على الترابط الأسري، واحترام الكبير، والاعتزاز بالقيم والدين والعادات الأصيلة، أسهمت في بناء وعي اجتماعي يقي الإنسان من الانجراف الكامل خلف الصور الزائفة. فالعُماني بطبيعته يُقيّم الإنسان بأخلاقه وسيرته وعمله، لا بما يعرضه من مظاهر أو ادعاءات.
ومع الانفتاح الرقمي المتسارع، أصبح المجتمع العُماني ـ كغيره من المجتمعات ـ يواجه موجات متلاحقة من صناعة الوهم، حيث تُسوَّق أنماط حياة مثالية ومقاييس نجاح مرتبطة بالمظاهر والاستهلاك والشهرة السريعة. وهنا تبرز الحاجة إلى التمسك بالسمت العُماني بوصفه توازنًا يحفظ الإنسان من الذوبان في ثقافة الاستعراض.
أما الحماية الحقيقية من صناعة الوهم فلا تكون بالانعزال عن العالم، بل ببناء عقلٍ واعٍ قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف. فالقراءة، والتفكير النقدي، والبحث عن المصادر الموثوقة، وعدم الانبهار بالمظاهر، كلها وسائل تصنع إنسانًا أكثر اتزانًا وأقل قابلية للخداع.
ومن المهم أيضًا أن يدرك الإنسان أن ما يُعرض عبر المنصات ليس دائمًا صورة كاملة للحياة، بل لحظات منتقاة بعناية تخفي خلفها كثيرًا من التحديات والواقع الإنساني الطبيعي. فالمقارنة المستمرة بالصور المصنوعة تُرهق النفس وتزرع القلق والشعور بالنقص.
إن معركة الإنسان اليوم لم تعد معركة معلومات فقط، بل معركة وعي وبصيرة. فالوهم مهما بدا لامعًا يظل هشًّا، بينما تبقى الحقيقة أكثر ثباتًا وعمقًا. ولذلك فإن المجتمعات التي تتمسك بقيمها الأصيلة، وتربي أبناءها على الصدق والبساطة والعمل الحقيقي، تملك القدرة دائمًا على التمييز بين البريق العابر والقيمة الباقية.


