مسقط : العمانية
يمثل كتاب "مدن القصائد.. قصائد المدن" إضافة جديدة إلى مشروع الشاعر والكاتب عبد الرزاق الربيعي الذي طالما اشتغل على العلاقة بين المكان والنص الشعري، مستفيداً من تجربته الممتدة بين العراق وسلطنة عُمان وعدد من الدول العربية.
ويأتي الكتاب الصادر عن دار مسندم للنشر والتوزيع (الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء، 2026) ليؤكد حضور المدينة بوصفها بطلاً خفياً في الشعر العربي الحديث، وفضاءً تتقاطع فيه تجارب الحب والمنفى والحنين والذاكرة.
وفي مقدمة الكتاب يأمل الربيعي أن يصحب القارئ في "رحلة ممتعة" عبر هذه المدن، من خلال النصوص الشعرية التي كُتبت عنها أو وُلدت فيها، موضحاً أن المكان لا يعيش في الخرائط وحسب، بل يتعربش فوق جدران اللغة والقصيدة والوجدان.
ويتأمل الربيعي العلاقة القديمة بين الشعراء والمدن، مشيراً إلى أن النظرة الرومانسية التقليدية كانت ترى في المدينة فضاءً صاخباً ينفر منه الشعراء لصالح القرى والأرياف، غير أن المدينة تحولت مع الزمن إلى مركز للحياة والعمل والتجربة الإنسانية، فدخلت بقوة إلى النصوص الشعرية الحديثة، مبيناً أن المدن لم تعد مجرد حيز جغرافي، بل صارت كائناً حياً تتقاطع فيه الذاكرة والتاريخ والعاطفة والأسئلة الوجودية، وهو ما دفعه إلى تتبع تجليات المدن في نصوص الشعراء العرب عبر العصور.
وجاء الكتاب في جزأين، حمل الأول عنوان "مدن القصائد"، وتضمن عدداً من الفصول هي: "مدن عُمانيّة"، و "مدن عراقية"، و "مدن أخرى"، أما الجزء الثاني فكان بعنوان "قصائد المدن" وتضمن: "عزف على أمكنة عُمانيّة"، و "عزف على أمكنة يمنية"، و "عزف على أمكنة عراقية"، و "عزف على أمكنة أخرى".
ويشير الربيعي إلى أن الجزء الأول من الكتاب لا ينتمي إلى أدب الرحلات التقليدي بقدر ما يمثل "رحلة عبر نصوص الشعراء"، إذ يتوقف عند الطريقة التي رأى بها الأدباء المدن، وكيف انعكست معالمها العمرانية والتاريخية والحضارية في قصائدهم، مع تقديم تعريف بالمكان وسياقه الثقافي والإنساني، أما الجزء الثاني، فيضم نصوصاً شعرية كتبها الربيعي نفسه عن مدن أقام فيها أو زارها وتركَت أثراً عميقاً في وجدانه، بخاصة المدن العمانية والعراقية واليمنية التي منحها مساحة واسعة في تجربته الشعرية.
ويهتم الربيعي بالمدن العمانية أيما اهتمام، ويتتبع صورها في النصوص الشعرية القديمة والحديثة، ففي فصل "مسقط والشعراء.. ذوبان في عشق المكان" يرصد كيف تحولت العاصمة العمانية إلى مصدر إلهام للعديد من الشعراء العرب والعُمانيين، مستشهداً بانطباعات شعراء كبار من مثل عبد الوهاب البياتي، وعبد الرزاق عبد الواحد، وأمجد ناصر، وسيف الرحبي، وسعيد الصقلاوي، الذين رأوا في مسقط مدينة تجمع بين التاريخ والحداثة والبحر والجبل في تناغم جمالي عز نظيره.
كما يتناول الكتاب مدينة مطرح بوصفها "حالة شعرية تجتمع بها عناصر الجمال"، متوقفاً عند أسواقها القديمة وقلعتها التاريخية وكورنيشها البحري، وكيف ألهمت تفاصيلها الشعراء والفنانين، ويعرض الربيعي هنا نصوصاً شعرية متعددة كُتبت عنها، من بينها قصائد لأدونيس وسيف الرحبي، حيث تتحول المدينة إلى فضاء للضوء والأسطورة والحنين.
وفي فصل "صلالة.. قمر يغتسل بمياه بحر العرب"، يحتفي عبد الرزاق الربيعي بمدينة صلالة بكونها واحدة من أكثر المدن العربية حضوراً في المخيلة الشعرية، خاصة خلال موسم الخريف الذي يكسو جبالها بالخضرة والضباب، ويستعرض نصوصاً لشعراء عُمانيين وعرب تغنوا بجمالها، من بينهم ابن شيخان السالمي، وسعيد الصقلاوي، ونزار قباني الذي وصفها بأنها "قصيدة" و "قمر" و "حورية تسبح في مياه بحر العرب".
وإلى جانب الوصف الجمالي للمدن، يتعمق الشاعر الربيعي في الخلفية التاريخية والثقافية للمدن، مستحضراً الأساطير والمرويات القديمة ودور المدن في التجارة والحضارة والذاكرة العربية، ففي حديثه عن مدينة صور العمانية، يتوقف عند علاقتها التاريخية بالبحر وصناعة السفن والملاحة، وكيف انعكس ذلك على النصوص الشعرية التي رأت فيها "حورية البحر" و "مرفأ النور".
أما مدينة سمائل، فيقدمها الكاتب بوصفها "دار العلم والأدب"، مستعرضاً دورها الثقافي والشعري في التاريخ العُماني، واحتضانها مجالس الأدب والشعر التي خرج منها عدد كبير من الشعراء والكتّاب، من بينهم عبد الله الخليلي وسيف الرحبي وهلال العامري. كما يضيء على طبيعتها الزراعية وتاريخها العريق ومساجدها وآثارها التي جعلت منها رمزاً ثقافياً في الوعي العُماني.
وإلى جانب المدن العمانية، يفتح الكتاب نوافذه على مدن عربية وعالمية أخرى حضرت بقوة في الذاكرة الشعرية والإنسانية، إذ يتناول الربيعي بغداد بوصفها مدينة الثقافة والجمال، والبصرة التي تعد "دنيا من الأحلام والأساطير"، كما يتوقف عند الموصل والكوفة والناصرية وبابل والسماوة، مستعيداً ما تركته هذه المدن من أثر في الشعر العربي والوجدان العراقي.
ويخصص الربيعي فصولاً لمدن عربية مثل القدس (فلسطين)، والقاهرة (مصر)، وصنعاء وعدن (اليمن)، وبيروت (لبنان)، والكرك ومادبا (الأردن)، حيث تتداخل في النصوص ثيمات التاريخ والحرب والحب والحنين والمنفى، كما لا يغفل المدن العالمية، فينتقل إلى سمرقند، وبروج البلجيكية، وغيرها من المدن التي تحولت في القصائد إلى رموز إنسانية وثقافية تتجاوز حدود الجغرافيا، ليؤكد أن المدينة، أينما كانت، تبقى فضاءً حياً للذاكرة والإبداع والأسئلة الكبرى.


