حكايات من الواقع

نشرت :

الحكاية الثالثة: غُربة مشاعر

الدكتورة: ريم الحشار

عُرف الإنسان بأنه كائنٌ تُشكّل المشاعر والأحاسيس جوهر إنسانيته، وتنسج تفاصيل حياته وتصرفاته وردود أفعاله بما يليق بكرامته البشرية. وقد يخطئ من يُغيّب عن البشر هذا الشعور الإنساني، ويطلب منهم الثبات وعدم التأثر، بحجة ضبط النفس وعدم تفعيل آدميتهم عند تعرضهم للهزات المشاعرية القوية. في حين أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم مارس آدميته في أشد المواقف تأثرًا، وبكى عند وفاة ابنه، وقال: «إِنَّ العَيْنَ لَتَدْمَعُ، وَالقَلْبَ لَيَحْزَنُ، وَإِنَّا لِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا».

ويأتي جوهر تكوين الإنسان المشاعري من الأحداث التي تواجهه، والأشخاص الذين يصقلون هذا الجوهر الإنساني النقي؛ فبعضهم يزيده نقاءً، والآخر قد يدس سهمه المسموم في تعاملاته، ويغيّر من آدميته التي فطره الله عليها. وقد كان لسان حالي هو حال كل البشر، فقد صادفت الكثير من السهام المسمومة التي حاولت مرارًا وتكرارًا تشويه فطرتي الإنسانية المتعاطفة، وقد جادت عليَّ القريحة في أحد الأيام، وقالت:

شَاءَتْ أَسَارِيرُ الفُؤَادِ لَهُمْ مَحَبَّةً
وَتَقَدَّمَتْ كُفُوفِي لَهُمْ بِالعَفْوِ وَالغُفْرَانِ

وَالقَلْبُ يَصْدَحُ فِي حُزْنٍ وَعِلَّةٍ
وَالنَّفْسُ تَهْذِي مَحَبَّةً وَسَلَامًا

سَاقَ الأَحِبَّةُ حُسْنَهُمْ فِي فِضَّةٍ
وَتَصَدَّأَتْ وُجُوهُهُمْ فِعْلًا وَأَقْوَالًا

يُعَاوِدُ الصَّبْرُ نَفْسَهُ فِي هَمٍّ وَتَجَلُّدٍ
وَيَنْغَزُ السَّهْمُ خُبْثَهُ المَسْمُومَ

كَمْ لِلزَّمَانِ مِنْ دُرُوسٍ يُدَاوِلُهَا
فِي عَبْرَةِ الوَقْتِ عِبْرَةً يُرْسِيهَا

وكانت من أهم سرديات «حكايات من الواقع» حكايتي ومشاعري التي تفاعلت مع أحمد، والتي كان لها أثرٌ مشاعري قوي في نفسي كطبيبة معالجة.

فمن هو أحمد؟

وكيف أصبح بطلًا لحكاية من سلسلة «حكايات من الواقع»؟

فلنبدأ الحكاية:

في يومٍ من الأيام، وقبل أكثر من عشر سنوات، كانت مهمتي في العيادة استلام حالات الطوارئ، وقد كانت المؤسسة الصحية يومها تعج بالمرضى الذين ينهلون من كل حدب وصوب. وكانت الحركة في قسم الطوارئ كثيفة جدًا، والحالات الطارئة لا تتوقف؛ فتارةً تُشاهد الممرضة وهي تُغلق الستار لتجديد الضماد لجراح أحدهم، وترى الأخرى وهي تساعد مسنًا مصابًا بنوبة سكر، وترى الثالثة تستقبل الحالات وتوثق البيانات الطبية على جهاز الحاسب الآلي، ثم تنتقل إلى جهاز الأكسجين لتحضير الدواء لمن يعاني من مشكلات الجهاز التنفسي الحادة التي تحتاج إلى جرعات دوائية مباشرة عبر جهاز الأكسجين للتنفس بشكلٍ طبيعي.

وفي وسط هذه المعمعة، دخل شاب في بداية العشرينيات، متوسط الطول، كثيف الشعر. كان لون بشرته حنطيًا، ووجهه شاحبًا مصفرًا.

شدَّ انتباهي هدوؤه، ووقوفه المريب، ووجهه الشاحب، وكانت حركته تقتصر على كحاتٍ بسيطة ومتتالية.

بادرت بسؤاله عن سبب قدومه إلى المؤسسة الصحية.

فرد قائلًا: أريد بخارًا (وهو علاج الأكسجين التنفسي).

قلت: هل لك زيارة سابقة معنا في المؤسسة الصحية؟

قال: لا، أنا معتادٌ على أخذ جرعات البخار في محافظتي التي تبعد آلاف الكيلومترات عن العاصمة مسقط، وذلك لأنني أرتاح عليها في أزمات ضيق التنفس.

قلت: استرح؛ لأفحصك.

قال بهدوء: لا داعي، أعطيني البخار، أنا معتادٌ عليه، سيريحني؛ أعلم ذلك.

قلت: اسمح لي أن أفحص رئتيك؛ لأحدد لك العلاج المناسب.

وافق.

وخلال الحديث معه وأخذ التاريخ المرضي، تبيّن لي أنه مريض بالربو، وهو مرض يصيب القصبات الهوائية في الرئة بنوبات انقباض، كما أنه مدخن للسجائر، ولكنه غير ملتزم بعلاج الربو.

كانت رئتاه تغرقان في الفحص الذي أجريته عليه، وتبحثان عمَّن ينقذهما من الغرق، ولم تكونا تجدَان السبيل لاستنشاق أكسجين الحياة.

بدأت معه بشكل سريع ومباشر أولى جرعات الإنقاذ لرئتيه، والتي كنت أحسب أنها ستكون جلسة أو اثنتين من جلسات البخار التي طلبها، ولكن المفاجأة أن حالته لم تكن تتحسن مع الوقت، وكنت كلما سألته عن حاله قال: أحسن.

لم أكن مطمئنة لوضع رئتيه، فقد كانتا تزدادان سوءًا.

ليدق ناقوس الخطر، وتظهر أشد العلامات الحمراء التي استنفرت فيها مشاعري، وتأهبت فيها قواي العقلية للاستعداد لحالة طوارئ حقيقية.

كانت وقتها رئتاه لا تحصلان على الأكسجين، وتتعاونان مع عضلات القفص الصدري لتكوين حالة من الكحة المستمرة لشفط الهواء في حركة متكررة. وكان من مشاهد الذعر التي أججت لديَّ حالة الاستنفار أنه بدأ يكح، والدم يملأ المنديل الذي كان يستعمله كستار يغلق به فمه. والغريب أنه لم يُعلمني بذلك، وإنما شاهدته بالمصادفة وأنا أطمئن على حالته بين الفينة والأخرى.

لأعلن حالة الاستنفار القصوى في المؤسسة الصحية، ولنتعامل مع حالة أحمد على أنها حالة قد تكون مصابة بمرض معدٍ شديد الخطورة، نتيجة للأعراض المصاحبة لحالته، والتي كان أهمها النزيف الذي ظهر على شكل قطرات دم في المنديل.

وتم الاستنفار بإغلاق الأبواب لعزل الحالة في قسم الطوارئ عن باقي المرضى في محيط العيادة. وتم استدعاء سيارة الإسعاف لنقله إلى المستشفى المرجعي لتلقي العلاج المكثف والمناسب؛ لأنه وبناءً على المؤشرات الأولية فقط تم تشخيصه بمتلازمة ضيق التنفس الحادة شديدة الخطورة.

كان ظني يحوم بين عدوى الفيروسات التنفسية الحادة والنزفية وبين مرض السل الرئوي، ولم يتعدَّ ظني قط إلى أمر آخر.

تم استقبال الحالة في المستشفى المرجعي، وللمصادفة البحتة فقد كانت زميلتي، وهي طبيبة أخصائية في قسم الأشعة، في مناوبة ليلية للإشراف على الحالات التي تستدعي تصويرًا إشعاعيًا طارئًا.

أخبرتني أنه تقررت له صورة أشعة، وأنه تم تسجيله كحالة شديدة الخطورة، ونُقل إلى العناية الفائقة.

تلا ذلك الكشف عن تقرير التصوير الإشعاعي، والذي أوضح أن الرئة مليئة بالنزيف الداخلي الذي ملأ الرئتين وأغرقهما غرقًا شبه كامل.

وفي قسم العناية الطبية المشددة، كان جسده لا يستجيب لأيٍّ من العلاجات الإنعاشية المقدمة له من قبل الطاقم الطبي، وكان قد فقد السيطرة، وأصبح الجهاز المناعي يهاجم نفسه في حالة أشبه بفقد الوعي والانتحار المتعمد. وفيها يفقد الجسد المصاب بالمرض والضعف المناعي السيطرة على نفسه، ويسبب نزيفًا داخليًا يصعب السيطرة عليه، ظنًا من الجسد أنه يحاول بذلك السيطرة على الاختلال المصاحب لشدة الاعتلال. وهي حالة مرضية شديدة لا يمكن السيطرة عليها حتى مع تقدم علوم الطب الحديث.

كنت في المقابل قلقة جدًا، ولم أنم الليل لقلقي الشديد عليه. وفي الصباح صحوت بعد غفوة بسيطة عندما انقطع الاتصال بزميلتي، والتي كان آخر ما أبلغتني به أن رئتيه في حالة سيئة وأنهما تنزفان بشدة.

كنت أستعد للذهاب إلى العمل، وبدأت صباحي العملي بحالة شعورية مشتتة وقلقة وفاقدة للتركيز، لتردني رسالة قبل أن ينتهي العمل الصباحي بثلاث ساعات من زميلتي، وتبلغني بما لم يكن في الحسبان.

وقالت: كيف حالك؟

أجبت: الحمد لله، كيف أحمد؟

قالت: أُبلغت بعد مراسلتك بطلب تصوير إشعاعي آخر لأحمد لتحديد التشخيص بشكل أدق.

قلت: وهل اكتشفتم السبب؟

قالت: كان قدر الله أبلغ؛ فقد تدهورت الحالة جدًا، وقد توفاه الله خلال ست ساعات من لحظة دخوله إلى المستشفى.

قلت: ماذا؟

والصدمة تسحب الشعور من جسدي لوهلة، وأردد: ماذا كان التشخيص؟ أخبريني، كيف حصل ذلك؟

وانهرت وأنا أستجوبها بأسئلة كثيرة تسأل عن سبب الوفاة السريع.

واسترسلت: لماذا لم تجروا الأشعة؟ لماذا لم تسعفوه؟

وهي تقول: يا دكتورة ريم، قضاء الله وقدره أبلغ؛ كنت أستعد لاستقباله لعمل الأشعة الدقيقة الثانية، ولكنهم أبلغوني بإلغاء الطلب بسبب الوفاة.

لتنتهي حياة أحمد في لحظة، أو كما شبهتها، في أقل من ثانية بسبب تسارع الأحداث، وتبدأ حكاية انهياري الشعوري بالبكاء والنحيب من صدمة الواقعة.

وكان حزني عليه عميقًا ومؤلمًا إلى حد الإرباك، وأفقدني القدرة على استيعاب ما حدث.

لقد كان يمشي، كان يكلمني، لم يكن به شيء!

كنت أتشكك في علاجي له، وأسأل نفسي مرارًا وتكرارًا: ما الذي حصل؟ هل أنا السبب في موته؟ هل تأخرت في علاجه؟ هل تأخرنا في تحويله إلى المستشفى المرجعي الذي يبعد عن العيادة بعشر دقائق؟ ما الذي حدث بالضبط؟

لم تكن لأسئلتي إجابة، غير أن قدر الله نافذ.

عشت غربةً من المشاعر بين إيماني بالله ونفاذ أمره، وبين تعلقي الشعوري بأسباب الحياة. غربة بين علمي بالعلاج والطب وبين مشاعري التي لم تشأ تصديق ما حدث.

وتكررت جملة في ذهني حينها: «يا ليتني قدمت لحياتي».

لأتخيل أنني أقولها لأحمد.

ليتك يا أحمد التزمت بعلاجات الربو!

وليتك يا أحمد لم تتبع أصحابك الذين غرّوك بالتدخين!

وليتك يا أحمد ضعفت واعترفت بعجزك ومرضك باكرًا، ولم تُصر على رأيك أنك قوي؛ لنمدك بالعلاج المناسب!

كنت في حالة شعورية حزينة جدًا، لم أستطع إكمال اليوم والعمل، واستمر الدمع ينهل بالتساؤلات الواهية التي شلت الفكر والمنطق حتى نهاية اليوم.

لأعيش بعد حادثة أحمد مدة ليست بالبسيطة في غربة من المشاعر، والتي لم تسمح للعقل بأن يتدخل وقتها لتلطيف حدة الشعور.

لقد علمتني حكاية أحمد العديد من الدروس؛ أولها أن أتقبل مشاعري، ثم أحللها، وأديرها بإدراك ووعي.

كان كل من حولي يطلب مني ضبط النفس، ولكنني اليوم عندما أسترجع حكاية أحمد، أحمد الله أنه مكنني من الشعور به، لأتفانى في عملي بجد وشعور صادق لخدمة كل من قصدني طلبًا للشفاء.

فقد مكننا الله في الأرض بالعلم الدنيوي، وليس كل العلاج نظريًا ومثبتًا في الكتب، بل إن إنسانية الشعور بآلام الآخرين، وتحليل شكواهم المرضية، والدمج بين الأحداث والأعراض ومسببات الأمراض، هي ما يقود الطبيب والمعالج دائمًا إلى التشخيص والعلاج الشافي.

رحم الله أحمد، ورحمنا جميعًا برحمته الواسعة، وثبّت قلوبنا على طاعته ومرضاته.

لقد علمتني حكايته أن الإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة، يبقى قلبه جزءًا من رسالته، وأن الرحمة ليست صفةً إضافية في مهنة الطب، بل هي أحد أركانها الأساسية.

فلا تبخل على أحد بمشاعرك الصادقة، ولا تحرم قلبك من حقه في الشعور والتأثر؛ فالمشاعر التي أودعها الله فينا نعمة، إذا أحسنّا إدارتها صارت مصدرًا للقوة والعطاء.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img