عبدالله سليمان العامري
نحيَا لِنَرَى الْأَمَل وَالطُّمُوح وَاقِعاً . نَعِيشُ حَالَة هُرُوب مِنَ الْيَأْس وَأَلَمِه . نَتَفَاءَل بِعَزِيز ، زَعِيمٍ كَان أَوْ مَسْؤُول ، صَدِيقٍ أَوْ قَرِيبٍ لِيُحَقِّقَ لَنَا ذَلِكَ الْأَمَل وَالطُّمُوح .
سُؤال : أَتَسْتَقِيم الْحَيَاه بِمَلْء الْبُطُون بِلَا كَرَامَةٍ ، وَخَوْفٍ ، وَتَهْدِيدِ عِنْدَمَا تَنْدَلِع الْحُرُوب ؟
قَرَأْتُ فِي مُقَدِّمَة كُتَيِّب صَدَرَ عَنِ الْأَمَانَة الْعَامَّة لِدُوَل مَجْلِسِ التَّعَاوُن أَثْنَاء تَغْطِيَة قِمَّة الْمَجْلِس عَامَ ٨٧ فِي الرِّيَاض عِبَارَات لِلتَّنْبِيه : ” عَجَباً لِابْن آدم ، يَأْكُلُ مِمَّا لَا يَزْرَع ، وَيَشْرَبُ مِمَّا لَا يَعْصِرُ ، وَيَلْبَسُ مِمَّا لَا يَغْزِل “.
وَمَا يُمْكِن اسْتِخْلَاصُه مِن الْعِبَارَات السَّابِقَة هُوَ أَنَّ الْقَادَة اخْتَارُوا تِلْكَ الْعِبَارَات لِتَكُون خُطَّةَ عَمَل لِصِنَاعَة أُمَّة خَلِيجِيَّة مُوَحَّدَة تُطْعِمُ نَفْسَهَا وَتَسْقِي نَفْسَهَا وَتَغْزِلُ لِنَفْسِهَا وَتَحْمِي نَفْسَهَا .
مُفَارَقَاتٌ عَجِيبَه
رَأَيْتُ دُوَلاً وَعَدَتْ فَأَوْفَتْ ، وَدُوَلاً أغدَقَتْ بِالْوُعُود فَأَوْفَتْ بِالْبَعْض وَأَهمَلَتْ الْمُهِم ” الْقُوَّةَ “. وَمَنْ لَا يَمْلِكُ الْقُوَّة لَا يَسْتَطِيعُ حِمَايَةَ نَفْسِهِ وَيَظَلُّ مُعَرَّضاً لِلتَّهْدِيد وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ كَثِيراً مِنَ الْمَال ، بَلْ قَد يَكُون مَصْدَر طَمَع الْأَقْوِيَاءِ .
وَمِنَ الْمُفَارَقَات الْعَجِيبَة أَنَّ كَثِيرًا مِنْ دُوَل الْعَالَم كَانَتْ فَقِيرَه وَفِيهَا أَعْدَادٌ كَبِيرَة مِنَ الْفُقَرَاء ، لَكِنَّهَا تَأْكُلُ مِمَّا تَزْرَعُ وَتَشْرَبُ مِمَّا تَعْصِرُ وَتَلْبَسُ مِمَّا تَغْزِلُ ؛ فَأَصْبَحَتْ دُوَلاً قَوِيَّةً عِلْمِيِّاً وَاقْتِصَادِيًّاً وَعَسْكَرِيًّاً يُشَارُ إِلَيْهَا بِالْبَنَان . وبعض مِنْ تِلْكَ الدُّوَل لَمْ تَرِث شَيْئًا بَلْ نَشَأَت مِن لَا شَيْءٍ .
بَيْنَمَا الدُّوَل الَّتِي تَمْلِكُ الْمَالَ وَعَدَت فَأَطْعَمَتْ نَفْسَهَا بِطَعَام الْآخَرِين ، وَشَرِبَتْ بِآلَاتٍ لَمْ تَصْنَعْهَا ، وَلَبِسَتْ مِنْ غَزْل الْآخَرِين ، وَتَرِثُ مِنَ الْقِيَم وَالْحَضَارَات وَالْإِمْكَانِيَّات مَا لَمْ يَرِثْهُ غَيْرُهَا ، ثُمَّ تَحْتَمِي لِضَرُورَات الْبَقَاء بِمَنْ لَا يَحْمِيهَا .
وَهُنَا يَقْفِز إِلَى الذِّهْنِ سُؤَال : تُرَى مَا هُوَ حَال مِثْل هَذِهِ الدُّوَل عِنْدَمَا تَشْتَعِل الْحُرُوب ؟
حَامِيهَا حَرَامِيهَا
حَالَةٌ يُرْثَى لَهَا ، هَيْمَنَة أَجْنَبِيَّة ، تَهْدِيد ، خَوْف وَابْتِزَاز .
وقَد مَرَّتْ دُوَل مَجْلِس التَّعَاوُن الْخَلِيجِيِّ بِعِدَّة حُرُوب . وَبِالْإِشَارَة إِلَى الْحَرْب الدَّائِرَة يَبْرُز سُؤَال آخَرُ وَهُوَ : مَاذَا هِيَ فَاعِلَةٌ إِذَا انْتَصَرَ طَرَفٌ عَلَى طَرَفٍ . إِذَا كَانَت الْأَطْرَاف الْمُتَحَارِبَة فِي هَذِهِ الْحَرْبِ أَعْدَاء لِهَذِهِ الدُّوَل . وَهِيَ تُطْعِمُ نَفْسَهَا مِمَّا يَزْرَعُ الْآخَر ، وَتَشْرَبُ بِآلَاتِهِ ، وَتَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهِ ، وَمُفَرَّغَةٌ مِنْ قُوَّةٍ ذَاتِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ تَحْمِيهَا ؟
أَتَحْتَمِي بِالْمُنْتَصِر لِتَبْقَى تَحْت التَّهْدِيد وَالْحِمَايَة ، وقد قيل ” حَامِيهَا حَرَامِيهَا ” ؟ وَلَهَا تَجَارِب لِعُقُود فِي هَذَا الشَّأْن .
أَمْ أَنَّهَا سَتُعِيد حِسَابَاتِهَا وَتُرَاجِع سِيَاسَاتِهَا لِتُحَقِّق لِنَفْسِهَا الْحِمَايَة الذَّاتِيَّة الْمُوَحَّدَة لِلْبَقَاء دُون الْحَاجَة لِحِمَايَة الْآخَرِين .
فَلَاسِفَةُ الْكَلَام
فبدَلًا مِنَ الْجُيُوشِ الْمُحَارِبَة جُنِّدَت جُيُوش من “صِنْفٍ خَاصٍّ” مِنْ فَلَاسِفَة الْكَلَام وَالْمُحَلِّلِين وَالنُّقَّاد الَّذِينَ نَرَاهُم فِي شَاشَات التِّلِفِزْيُون . جُيُوشٌ لَا يُمْكِنُهَا إِقْنَاع مُبْصِر بِسِيَاسَات تِلْكَ الدُّوَل .
ذَلِكَ الصِّنْف من المحللين والنقاد ، الْمُطَبِّع مُسْبَقًا مَعَ الْفِكْر الْغَرْبِيّ لَا يَذْكُر آيَةً قُرْآنِيَّةً أَوْ حَدِيثًا نَبَوِيًّا أَوْ حَدَثًا تَارِيخِيًّا أَوْ تَوْجِيهًا لِتِلْكَ الدُّوَلِ لِصِنَاعَةِ قُوَّةٍ ذَاتِيَّةٍ مُوَحَّدَة لِحِمَايَةِ نَفْسِهَا مِنْ كُلِّ مُعْتَدٍ .
يُلَوِّحُون بِأَيْدِيهِم وَيَهُزُّونَ رُؤُوسَهُم رِضًا أَوْ كُرْهًا لِمَا يَقُولُونَه ، وَكَأَنَّهُمْ يَقْرَأُون مِنْ كُتُب وَاشِنْطُن وَتَلِّ أَبِيب . وَكُتُب غَرْبِيَّة مُنَزَّلَة بِمُسَمَّيَات مُخْتَلِفَة… سِيَاسَة… دِبْلُومَاسِيَّة… حَدَاثَة… عَقْلَانِيَّة… وَغَيْرُهَا مِنَ الْفِكْر الْمَدْسُوس ، وَلَا مَكَان لِلْقِيَم أَوِ الْعَقِيدَة فِيمَا يَقُولُون . يَدُورُون فِي نَفْسِ الدَّائِرَةِ السِّيَاسِيَّةِ لِتِلْكَ الدُّوَل ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى حِسَابِ حَقِّ الشُّعُوب فِي الْأَمْن وَالِاسْتِقْرَارِ .
عُلَمَاء وَمُفَكِّرُون مُغَيَّبُون
تِلْكَ الْأَصْنَاف لَا تَعْكِس حَقِيقَة الْمُفَكِّر وَالنَّاقِد الْعَرَبِيِّ ، بَلْ يُشَوِّهُون الْحَقِيقَة . وَحَتَّى نَبْرَأَ مِمَّا نَقُولُه فِيهِم ، فَإِنَّنَا نَرَى وَنَسْمَع وَنَقْرَأُ لِمُفَكِّرِين عَرَب مُسْلِمِين وَمَسِيحِيِّين – لَسْنَا بِقَدْرِهِم – يَتَحَدَّثُون بِفِكْرٍ يَعِي وَاقِع الْأَحْدَاث ، وَمَعْرِفَةٍ تُجَسِّدُ الْحَقِيقَة وَالْكَرَامَة كَمَا هِيَ .
تَسْتَفِيد الشُّعُوب بِمَا تَقْرَأُ وَمَا تَرَى وَتَسْمَع مِنْهُم ؛ فَهُمْ عَلَى دِرَايَة بِحَقَائِق الْأُمُور ، وَفَهْمٍ لِلْفِكْر الْغَرْبِيِّ وَسِيَاسَاتِهِ الْمُفْسِدَة وَأَطْمَاعِه ، وَحَاجَة الْأُمَّة ، لَكِنَّهُمْ مُغَيَّبُونَ .
حِبْرٌ عَلَى وَرَق وَصَفِيحٌ مِنْ نَار
فإِلَى مَتَى سَتَبْقَى تِلْكَ الْعِبَارَاتُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْكُتَيِّبِ حِبْرًا عَلَى وَرَق ، وَمَتَى سَتَكُونُ هَذِهِ الدُّوَلُ مِثْلَ الدُّوَل الْفَقِيرَةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ قَوِيَّة فِي كَافَّةِ الْمَجَالَات ، عِلْمِيًّا وَاقْتِصَادِيًّا وَعَسْكَرِيًّا ؟ وَهِيَ دُوَلٌ غَنِيَّة تَسْتَطِيع أَنْ تَكْفِي وَتَحْمِي نَفْسَهَا ؟ أَمْ أَنَّ الْحُرُوب لَمْ تَكْفِهِمْ بَعْدَ ؟ أَمْ أَنَّهُم يَضْحَكُون عَلَى الشُّعُوب وَيَضْحَك عَلَيْهِم الْغَرْب وَالْأَمِيرْكَان وَمَجْلِسُ الْأَمْن ؟ لَا أُولَئِك وَلَا التَّطْبِيع وَالْإِبْرَاهِيمِيَّة سَتُحَقِّق لَهُم الْأَمْن ، وَلَن تُعِيد لَهُم حَقًّا أَو كَرَامَة ، وَمَا لَمْ تُحَقِّق ذَلِكَ بِنَفْسِهَا سَتَبْقَى عَلَى صَفِيحٍ مِنْ نَار. وقد مضت أربع عقود والحبرُ على الورق .


