رأي اليوم
صحيفة اليوم العُمانية
في تطور خطير يعكس حالة التصعيد غير المنضبط في المنطقة، أقدمت قوات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني (IRGC) على استهداف مواقع داخل سلطنة عُمان، بما في ذلك مرافق في موانئ مثل الدقم ومناطق أخرى قرب مضيق هرمز. هذا الفعل يأتي بعد ساعات قليلة فقط من محادثات مكثفة استمرت حوالي 12 ساعة في مسقط بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العُماني، ركزت على ضمان سلامة الملاحة في مضيق هرمز.
هذا التزامن ليس مجرد صدفة سيئة، بل يمثل تناقضاً صارخاً يقوض أي مصداقية دبلوماسية. كيف يمكن لطرف أن يجلس لساعات طويلة يتحدث عن “السيادة والتعاون” ثم يقصف أراضي سيادية لدولة جارة تعتبر تاريخياً وسيطاً نزيهاً وصديقاً تقليدياً لطهران؟
سلطنة عُمان، التي حافظت على سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، تدفع ثمناً باهظاً لهذا التصعيد. الضربات أسفرت عن خسائر مادية ومعنوية، وتهدد البنية التحتية الحيوية مثل الموانئ التي تُعد شرياناً اقتصادياً للسلطنة وللمنطقة بأكملها. عُمان لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع الأمريكي-الإسرائيلي-الإيراني، بل حاولت دائماً لعب دور الوسيط لتهدئة التوترات واستهدافها يُعد انتهاكاً لمبادئ حسن الجوار والسيادة، ويضعها في موقف حرج أمام حلفائها الخليجيين والدوليين.
هذا الفعل قد يدفع مسقط نحو مراجعة حساباتها الاستراتيجية، وقد يعزز التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة ودول الخليج، مما يقلل من هامش المناورة الدبلوماسية الذي اعتمدته عُمان تاريخياً.
ان علاقات إيران وعُمان كانت نموذجاً نادراً للاستمرارية وسط التوترات الإقليمية. الآن، باتت مهددة بشكل جدي. طهران تخاطر بخسارة آخر “صديق” موثوق في الخليج، وهو ما يعمق عزلتها. الدبلوماسية العُمانية التي ساهمت في العديد من المبادرات (بما في ذلك محادثات نووية سابقة) تتعرض لضربة قاسية، وقد يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة بين البلدين لسنوات قادمة.
هل هو “المسمار الأخير في النعش”؟
التصعيد الإيراني يُسرّع فعلاً من عزلة النظام والهجمات على دول خليجية متعددة (بما في ذلك عُمان) توفر مبررات إضافية للدول الغربية والإقليمية لاتخاذ إجراءات أقوى، سواء عسكرية أو اقتصادية والتاريخ يذكرنا بأن مثل هذه الأعمال غير المدروسة قد تفتح الباب لتدخلات خارجية، كما حدث في سياقات سابقة في المنطقة.
اللعبة الداخلية بين “الحكومة الخفية” (المؤسسات الدبلوماسية) والحرس الثوري أصبحت مكشوفة أكثر من أي وقت مضى. اجتماعات دبلوماسية طويلة في مسقط تليها ضربات عسكرية سريعة تكشف عن انقسامات حقيقية في صنع القرار الإيراني، أو على الأقل عدم قدرة على السيطرة على الجناح العسكري. هذا التناقض يُضعف موقف طهران التفاوضي ويجعل أي اتفاق مستقبلي أكثر صعوبة.
من غير المنطقي أبداً أن تستمر الدبلوماسية إذا كانت الضربات العسكرية تتبعها مباشرة. المنطقة تحتاج إلى ردع موثوق يحمي السيادة الوطنية ويحافظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي وعُمان لها الحق الكامل في الدفاع عن أراضيها ومطالبة المجتمع الدولي بدعمها.
في النهاية، هذه الأفعال لا تخدم أمن إيران ولا استقرار شعوب المنطقة بل تزيد من مخاطر حرب أوسع نطاقاً، وتُسرع من خسارة إيران لما تبقى لها من أوراق دبلوماسية. الوقت حان للعودة إلى المنطق: السيادة احترام متبادل، والدبلوماسية يجب أن تكون ذات معنى، لا غطاء للتصعيد.
السلام في الخليج يبدأ باحترام الحدود والالتزام بالاتفاقيات، لا بانتهاكها.
حفظ الله عمان شعبها وارضها وسلطانها والأمة العربية والاسلامية والانسانية كافة من كل مكروه …


