بقلم: وائل مهدي*
21 يوليو 2026
في عام 2025، تلقت المحاكم السعودية 1.6 مليون طلب تنفيذ لتحصيل أكثر من 165 مليار ريال (44 مليار دولار) من الالتزامات المالية غير المدفوعة. وصرّح وزير العدل وليد الصمعاني أن هذا الرقم يعد دليلاً على وجود عملية قضائية حديثة ومستجيبة، ولكن بقراءة أخرى، يُعتبر هذا الرقم علامة على مجتمع يئن تحت ضغط لم يُصمم أصلاً لتحمله.
وتصحيحاً للاستبعاد التاريخي للمرأة من القوى العاملة، استخدمت رؤية السعودية 2030 الحوافز والحصص (Quotas) لمعالجة عدم التوازن. وقد نجح ذلك: إذ نما توظيف الإناث في القطاع الخاص بأكثر من ضعف معدل نمو توظيف الذكور في السنوات الأخيرة، وانخفضت بطالة النساء من أكثر من 30% إلى أقل من 13%.
المشكلة تكمن في أن هذا النمو لم يُقرن بإعادة توازن للالتزامات التي لا تزال تقع على عاتق الرجال. أضافت الدولة المرأة إلى القوى العاملة دون إعفاء الرجل من دوره كمعيل أخير ووحيد. والنتيجة هي سوق عمل أكثر تنافسية للشباب مقارنة بالماضي، يحكمه عقد اجتماعي يواصل تحميلهم المسؤولية المالية الكاملة عن النتائج.
تكشف البيانات المصرفية بالمملكة قصة شباب يقترضون للبقاء على قيد الحياة في اقتصاد وُعدوا بأنه سيكافئهم، لكنهم محاصرون في نظام قانوني يواصل إسناد المسؤولية المالية الكاملة للأسرة إليهم، في حين أن زوجاتهم أصبحن قادرات تماماً على التمويل بشكل مساوٍ.
ارتفعت القروض الاستهلاكية في السعودية بمقدار تسعة أضعاف منذ عام 2000 لتصل إلى 477 مليار ريال — وهو معدل نمو يتجاوز كلاً من النمو السكاني وتوسع الناتج المحلي الإجمالي (GDP). ويقدر صندوق النقد الدولي (IMF) الدين الخاص في السعودية بـ 81.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
إلا أن الهيكل النوعي لهذه الديون أكثر كشفاً للحقائق من إجمالي قيمتها:
ديون بطاقات الائتمان: ارتفعت بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ عام 2014 لتصل إلى 34.5 مليار ريال.
قروض الترميم (Renovation Loans): — وهي الأدوات المالية التي اعتاد الرجال في السعودية استخدامها لتجهيز مسكن الزوجية — انهارت بنسبة 70% منذ عام 2015.
قروض السيارات: انخفضت بنسبة 39% منذ عام 2014.
قروض التعليم: في المقابل، نمت القروض التعليمية بمقدار عشرين ضعفاً لتصل إلى 8 مليارات ريال، مما يشير إلى كيفية لجوء جيل من الرجال للاقتراض بغرض التنافس على وظائف تذهب بشكل متزايد لصالح النساء.
هذا الجيل من الرجال السعوديين، على عكس آبائهم، لا يستطيع تحمل تكاليف تأسيس أسر، إنهم يقترضون للبقاء، ومحاصرون في إطار قانوني يحملهم المسؤولية المالية الكاملة عن منازل أصبحت زوجاتهم قادرات على تمويلها بنفس القدر. وإلى أن يتم تغيير هذه البنية التحتية التشريعية، فإن الديون ستستمر في النمو، وسيبقى الزواج، بالنسبة للعديد من الرجال السعوديين، بمثابة فخ.
تبلغ تكلفة الزواج التقليدي في السعودية عادةً 100,000 ريال، بينما تصل تكاليف الزيجات الفارهة إلى الملايين. يأتي المهر — وهو الصداق الواجب على العريس دفعه بموجب الشريعة الإسلامية — يضاف إلى ذلك تكاليف الشقة، الأثاث، والتوقعات المستمرة بالإنفاق على المنزل. وهذه كلها التزامات قابلة للتنفيذ قانوناً.
بموجب قانون الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم السعودية، يتحمل الزوج المسؤولية المالية الكاملة عن الأسرة. ويُعتبر دخل الزوجة ملكية خاصة بها قانوناً؛ ولا تلتزم قانوناً بالمساهمة في الإيجار، البقالة، أو الرسوم المدرسية. والنتيجة: أسرة تتقاضى فيها الزوجة 15,000 ريال شهرياً بينما يتقاضى الزوج 8,000 ريال، تضع كامل المسؤولية القانونية والمالية على عاتق الرجل؛ إذ يُعتبر دخله التزاماً مشتركاً للأسرة، بينما يُعتبر دخلها أصلاً خاصاً بها. المحاكم تطبق قانوناً كُتب لعالم لم تكن المرأة تعمل فيه، وهذا العالم لم يعد موجوداً.
تتوفر ثلاثة مسارات للتعامل مع هذا الوضع:
المسار الأول: إعادة التوازن لسوق العمل والاستثمار في القطاعات التي يمكن للشباب العثور فيها على توظيف مستقر. هذا مسار سهل سياسياً، ولكنه غير كافٍ بمفرده.
المسار الثاني: تحديث الإطار القانوني: قامت المغرب، تونس، الأردن، وتركيا بتعديل قوانينها لتعكس أسر المزدوجي الدخل (Dual-Income Households).
المسار الثالث: عدم القيام بأي شيء — ومراقبة ارتفاع طلبات التنفيذ، انخفاض معدلات الزواج، واستمرار تراجع معدل الخصوبة الذي انخفض بالفعل من 4 أطفال لكل امرأة إلى 2.5.
حققت المملكة العربية السعودية تقدماً كبيراً في حل النزاعات المالية؛ حيث تستطيع الحكومة تتبع الأموال عبر الحسابات، وفض القضايا التجارية في جلستين قضائيتين، وإصدار سندات تنفيذ رقمية فورية.
لكن ما لم تفعل بعد هو الإجابة عن السؤال الأكثر صعوبة: الآن وبعد أن عملت المرأة، من يدفع الفواتير؟ وإلى أن تفعل ذلك، فإن 1.6 مليون طلب تنفيذ تم تقديمها في عام 2025 — والتي استهدفت الغالبية العظمى منها الرجال — لن تكون مجرد حالة استثنائية، بل ستكون الحد الأدنى (Floor).
وائل مهدي هو محلل مستقل متخصص في منظمة أوبك (OPEC) والاقتصاد السعودي، والمؤلف المشارك لكتاب “أوبك في عالم النفط الصخري: إلى أين تتجه بعد ذلك؟”.
رابط المقال الأصلي باللغة الإنجليزية:
https://www.semafor.com/article/07/21/2026/saudi-men-are-drowning-in-debt


